تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲۸٤   

وصیرورتهم قردة أو المسخة أو العقوبة، أو الآیة المدلول علیها بقوله تعالى: * (ولقد علمتم) * (البقرة: 65) وقیل: الضمیر للقریة، وقیل: للحیتان - والنکال - واحد - الأنکال - وهی القیود - ونکل به - فعل به ما یعتبر به غیره، فیمتنع عن مثله * (لما بین یدیها وما خلفها) * أی لمعاصریهم ومن خلفهم - وهو المروی عن ابن عباس رضی الله تعالى عنه وغیره - وروی عنه أیضا (لما) بحضرتها من القرى - أی أهلها وما تباعد هنها - أو للآتین والماضین - وهو المختار عند جماعة - فکل من ظرفی المکان مستعار للزمان، و (ما) أقیمت مقام - من - إما تحقیرا لهم فی مقام العظمة والکبریاء - أو لاعتبار الوصف - فإن ما یعبر بها عن العقلاء تعظیما - إذا أرید الوصف - کقوله: " سبحان ما سخرکن " وصحح کونها نکالا للماضین أنها ذکرت فی زبر الأولین - فاعتبروا بها - وصحت - الفاء - لأن جعل ذلک (نکالا) للفریقین إنما یتحقق بعد القول والمسخ، أو لأن - الفاء - إنما تدل على ترتب جعل العقوبة (نکالا) على القول وتسببه عنه - سواء کان على نفسه أو على الاخبار به - فلا ینافی حصول الاعتبار قبل وقوع هذه الواقعة بسبب سماع هذه القصة، وقیل: - اللام - لام الأجل و (ما) على حقیقتها - والنکال - بمعنى العقوبة لا - العبرة - والمراد بما * (بین یدیها) * ما تقدم من سائر الذنوب قبل أخذ السمک، وب * (ما خلفها) * ما بعدها، والقول بأن المراد جعلنا المسخ عقوبة لأجل ذنوبهم المتقدمة على المسخة والمتأخرة عنها یستدعی بقاءهم مکلفین بعد المسخ ولا یظهر ذلک إلا على قول مجاهد، وحمل الذنوب التی بعد المسخة - على السیآت الباقیة آثارها - لیس بشیء کما لا یخفى، وقول أبی العالیة - إن المراد ب * (ما بین یدیها) * ما مضى من الذنوب، وب * (ما خلفها) * من یأتی بعد، والمعنى فجعلناها عقوبة لما مضى من ذنوبهم؛ وعبرة لمن بعدهم - منحط من القول جدا لمزید ما فیه من تفکیک النظم والتکلف.
* (وموعظة للمتقین) * الموعظة ما یذکر مما یلین القلب - ثوابا کان أو عقابا - والمراد بالمتقین ما یعم کل متق من کل أمة - وإلیه ذهب ابن عباس رضی الله تعالى عنهما - وقیل: من أمة محمد صلى الله علیه وسلم، وقیل: منهم، ویحتمل أنهم اتعظوا بذلک وخافوا عن ارتکاب خلاف ما أمروا به، ویحتمل أنهم وعظ بعضهم بعضا بهذه الواقعة، وحظ العارف من هذه القصة أن یعرف أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس لعبادته وجعلهم بحیث لو أهملوا وترکوا وخلوا بینهم وبین طباعهم لتوغلوا وانهمکوا فی اللذات الجسمانیة والغواشی الظلمانیة لضروراتهم لهم واعتیادهم من الطفولیة علیها. والنفس کالطفل إن تهمله شب على * حب الرضاع وإن تفطمه ینفطم فوضع الله تعالى العبادات، وفرض علیهم تکرارها فی الأوقات المعینة لیزول عنهم بها درن الطباع المتراکم فی أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة فی أزمنة ارتکاب الشهوات، وجعل یوما من أیام الأسبوع مخصوصا للاجتماع على العبادة وإزالة وحشة التفرقة ودفع ظلمة الاشتغال بالأمور الدنیویة، فوضع السبت للیهود لأن عالم الحس الذی إلیه دعوة الیهود هو آخر العوالم والسبت آخر الأسبوع، والأحد للنصارى لأن عالم العقل الذی إلیه دعوتهم أول العوالم، ویوم الأحد أول الأسبوع، والجمعة للمسلمین لأنه یوم الجمع، - والختم - فهو أوفق بهم وألیق بحالهم - فمن لم یراع هذه الأوضاع والمراقبات أصلا - زال نور استعداده، وطفىء مصباح فؤاده، ومسخ کما مسخ أصحاب السبت، ومن غلب علیه وصف من أوصاف الحیوانات ورسخ فیه بحیث أزال استعداده، وتمکن فی طباعه، وصار صورة ذاتیة له کالماء الذی منبعه معدن الکبریت مثلا أطلق علیه اسم


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب