تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲۸۵   

ذلک الحیوان حتى کأن صار طباعه طباعه، ونفسه نفسه، فلیجهد المرء على حفظ إنسانیته، وتدبیر صحته بشراب الأدویة الشرعیة والمعاجین الحکمیة، ولیحث نفسه بالمواعظ الوعدیة والوعیدیة. هی النفس إن تهمل تلازم خساسة * وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج * (وإذ قال موسى لقومه إن الله یأمرکم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أکون من االجاهلین) *
* (وإذ قال موسى لقومه إن الله یأمرکم أن تذبحوا بقرة) * بیان نوع من مساویهم من غیر تعدید النعم وصح العطف لأن ذکر النعم سابقا کان مستملا على ذکر المساوی أیضا من المخالفة للأنبیاء والتکذیب لهم وغیر ذلک، وقد یقال: هو على نمط ما تقدم، لأن الذبح نعمة دنیویة لرفعة التشاجر بین الفریقین، وأخرویة لکونه معجزة لموسى علیه السلام. وکأن مولانا الإمام الرازی خفی علیه ذلک فقال: إنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه علیهم أولا ختم ذلک بشرح بعض ما وجه إلیهم من التشدیدات، وجعل النوع الثانی ما أشارت إلیه هذه الآیة - ولیس بالبعید -.
وأول القصة: قوله تعالى: * (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فیها) * (البقرة: 72) الخ، وکان الظاهر أن یقال - قال موسى إذ قتل قتیل تنوزع فی قاتله - إن الله یأمر بذبح بقرة هی کذا وکذا، وأن یضرب ببعضها ذلک القتیل ویخبر بقاتله فیکون کیت وکیت إلا أنه فک بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساویهم التی قصد نعیها علیهم، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء فی السؤال، وترک المصارعة إلى الامتثال، ولو أجرى على النظم لکانت قصة واحدة، ولذهبت تثنیة التقریع، وقد وقع فی النظم من فک الترکیب والترتیب ما یضاهیه فی بعض القصص، وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نکتا وفوائد، وقیل: إنه یجوز أن یکون ترتیب نزولها على موسى علیه السلام على حسب تلاوتها بأن یأمرهم الله تعالى - بذبح البقرة - ثم یقع القتل فیؤمروا بضرب بعضها - لکن المشهور خلافه - والقصة أنه عمد إخوان من بنی إسرائیل إلى ابن عم لهما - أخی أبیهما - فقتلاه لیرثا ماله وطرحاه على باب محلهم ثم جاءا یطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذلح بقرة وضربه ببعضها لیحیا، ویخبر بقاتله، وقیل: کان القاتل أخا القتیل، وقیل: ابن أخیه ولا وارث له غیره فلما طال علیه عمره قتله لیرثه، وقیل: إنه کان - تحت رجل یقال له عامیل - بنت عم لا مثل لها فی بنی إسرائیل فی الحسن والجمال فقتله ذو قرابة له لینکحها فکان ما کان، وقرأ الجمهور (یأمرکم) بضم الراء، وعن أبی عمرو السکون والاختلاس - وإبدال الهمزة ألفا، و * (أن تذبحوا) * من موضع المفعول الثانی لیأمر، وهو على إسقاط حرف الجر - أی بأن تذبحوا.
* (قالوا أتتخذنا هزوا) * استئناف وقع جوابا عما ینساق إلیه الکلام کأنه قیل: فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الإمتثال أم لا؟ فأجیب بذلک، والاتخاذ کالتصییر، والجعل یتعدى إلى مفعولین أصلهما المبتدأ والخبر، و * (هزوا) * مفعوله الثانی ولکونه مصدرا لا یصلح أن یکون مفعولا ثانیا لأنه خبر المبتدأ فی الحقیقة وهو اسم ذات هنا فیقدر مضاف - کمکان، أو أهل - أو یجعل بمعنى المهزوء به کقوله تعالى: * (أحل لکم صید البحر) * (المائدة: 96) أی مصیده أو یجعل الذات نفس المعنى مبالغة کرجل عدل، وقد قالوا ذلک إما بعد أن أمرهم موسى علیه السلام بذبح بقرة دون ذکر الإحیاء بضربها، وإما بعد أن أمرهم وذکر لهم استبعادا لما قاله واستخفافا به کما یدل علیه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابک لا یطابق سؤالنا ولا یلیق، وأین ما نحن فیه مما أنت آمر به، ولا یأبى ذلک انقیادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزیمة، ومن هنا قال بعضهم: إن إجابتهم نبیهم - حین أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن یذبحوا بقرة بذلک - دلیل على سوء اعتقادهم بنبیهم وتکذیبهم له


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب