|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣٠٦
لأنها التی توجب النار - أی یستحق فاعلها النار إن لم یغفر له - وذهب کثیر من السلف إلى أنها هنا - الکفر - وتعلیق - الکسب بالسیئة - على طریقة التهکم، وقیل: إنهم بتحصیل السیئة استجلبوا نفعا قلیلا فانیا، فبهذا الاعتبار أوقع علیه الکسب، والمراد - بالإحاطة - الاستیلاء والشمول وعموم الظاهر والباطن - والخطیئة - السیئة، وغلبت فیما یقصد بالعرض أی لا یکون مقصودا فی نفسه بل یکون القصد إلى شیء آخر، لکن تولد منه ذلک الفعل کمن رمى صیدا فأصاب إنسانا، وشرب مسکرا فجنى جنایة، قال بعض المحققین: ولذلک أضاف الإحاطة إلیها إشارة إلى أن السیئات باعتبار وصف الإحاطة داخلة تحت القصد بالعرض لأنها بسبب نسیان التوبة، ولکونها راسخة فیه متمکنة حال الإحاطة أضافها إلیه بخلاف حال الکسب فإنها متعلق القصد بالذات وغیر حاصلة فیه فضلا عن الرسوخ؛ فلذا أضاف الکسب إلى سیئة ونکرها، وإضافة الأصحاب إلى النار على معنى الملازمة لأن الصحبة وإن شملت القلیل والکثیر لکنها فی العرف تخص بالکثرة والملازمة، ولذا قالوا: لو حلف من لاقى زیدا أنه لم یصحبه لم یحنث، والمراد - بالخلود - الدوام، ولا حجة فی الآیة على خلود صاحب الکبیرة لأن الإحاطة إنما تصح فی شأن الکافر لأن غیره إن لم یکن له سوى تصدیق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط خطیئته به لکون قلبه ولسانه منزها عن الخطیئة، وهذا لا یتوقف على کون التصدیق والإقرار حسنتین، بل على أن لا یکونا سیئتین فلا یرد البحث بأن الخصم یجعل العمل شرطا لکونهما حسنتین کما یجعل الاعتقاد شرطا لکون الأعمال حسنات فلا یتم عنده أن الإحاطة إنما تصح فی شأن الکافر، ولا یحتاج إلى الدفع بأن المقصود أنه لا حجة له فی الآیة، وهذا یتم بمجرد کون الإحاطة ممنوعة فی غیر الکافر، فلو ثبت أن العمل داخل فی الإیمان صارت الآیة حجة - ودون إثباته خرط القتاد - ثم إن نفی الحجیة بحمل الإحاطة على ما ذکر إنما یحتاج إلیه إذا کانت السیئة والخطیئة بمعنى واحد - وهو مطلق الفاحشة - أما إذا فسرت السیئة بالکفر أو - الخطیئة - به حسبما أخرجه ابن أبی حاتم عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما وأبی هریرة رضی الله تعالى عنه وابن جریر عن أبی وائل ومجاهد وقتادة وعطاء والربیع، فنفی الحجیة أظهر من نار على علم. ومن الناس من نفاها بحمل - الخلود - على أصل الوضع وهو اللبث الطویل - ولیس بشیء - لأن فیه تهوین الخطب فی مقام التهویل مع عدم ملائمته حمل الخلود فی الجنة على الدوام؛ وکذا لا حجة فی قوله تعالى: * (وقالوا لن تمسنا النار) * (البقرة: 80) الخ بناء على ما زعمه الجبائی حیث قال: دلت الآیة على أنه تعالى ما وعد موسى ولا سائر الأنبیاء بعده بإخراج أهل الکبائر والمعاصی من النار بعد التعذیب، وإلا لما أنکر على الیهود بقوله تعالى: * (قل اتخذتم) * (البقرة: 80) الخ وقد ثبت أنه تعالى أوعد العصاة بالعذاب زجرا لهم عن المعاصی فقد ثبت أن یکون عذابهم دائما وإذا ثبت فی سائر الأمم وجب ثبوته فی هذه الأمة إذ الوعید لا یجوز أن یختلف فی الأمم إذا کان قدر المعصیة واحدا لأن ما أنکر الله علیهم جزمهم بقلة العذاب لانقطاعه مطلقا - على أن ذلک فی حق الکفار لا العصاة کما لا یخفى - و * (من) * تحتمل أن تکون شرطیة، وتحتمل أن تکون موصولة، والمسوغات لجواز دخول - الفاء - فی الخبر إذا کان المبتدأ موصولا موجودة، ویحسن الموصولیة مجىء الموصول فی قسیمه وإیراد اسم الإشارة المنبىء عن استحضار المشار إلیه بما له من الأوصاف للإشعار بعلیتها لصاحبیة النار وما فیه من معنى البعد للتنبیه على بعد منزلتهم فی الکفر والخطایا، وإنما أشیر إلیهم بعنوان الجمعیة مراعاة لجانب المعنى فی کلمة * (من) * بعد مراعاة جانب اللفظ فی الضمائر الثلاثة لما أن ذلک هو المناسب لما أسند إلیهم فی تینک الحالتین، فإن کسب السیئة وإحاطة الخطیئة به فی حالة الإفراد - وصاحبیة النار فی حالة الاجتماع -
|