|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۱۹
تدعونا إلیه) * (فصلت: 5) قصدوا به إقناط النبی صلى الله علیه وسلم عن الإجابة وقطع طمعه عنهم بالکلیة، وقیل: مغشاة بعلوم من التوراة نحفظها أن یصل إلیها ما تأتی به، أو بسلامة من الفطرة کذلک، وعلى الثانی أنها أوعیة العلم فلو کان ما تقوله حقا وصدقا لوعته - قاله ابن عباس وقتادة والسدی - أو مملوءة علما فلا تسع بعد شیئا فنحن مستغنون بما عندنا عن غیره، روی ذلک عن ابن عباس أیضا، وقیل: أرادوا أنها أوعیة العلم فکیف یحل لنا اتباع الأمی ولا یخفى بعده. * (بل لعنهم الله بکفرهم) * رد لما قالوه، وتکذیب لهم فیما زعموه، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمکن من النظر الصحیح الموصل إلى الحق لکن الله تعالى أبعدهم، وأبطل استعدادهم الخلقی للنظر الصحیح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة فی قلوبهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم کونه حقا وصدقا بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بکفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم أو أن الله تعالى أقصاهم عن رحمته فأنى لهم ادعاء العلم الذی هو أجل آثارها، ویعلم من هذه الوجوه کیفیة الرد على ما قیل قبل من الوجوه * (فقلیلا ما یؤمنون) * الفاء لسببیة اللعن لعدم الإیمان، و - قلیلا - نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أی إیمانا قلیلا، وهو إیمانهم ببعض الکتاب و (ما) مزیدة لتأکید معنى القلة لا نافیة لأن ما فی حیزها لا یتقدمها ولأنه وإن کان بمعنى - لا یؤمنون قلیلا فضلا عن الکثیر - لکن ربما یتوهم لا سیما مع التقدیم أنهم لا یؤمنون قلیلا بل کثیرا، ولا مصدریة لاقتضائها رفع القلیل بأن یکون خبرا، والمصدر المعرف بالإضافة مبتدأ، والتقدیر فإیمانهم قلیل، وجوز بعضهم - کونها نافیة بناء على مذهب الکوفیین من جواز تقدم ما فی حیزها علیها ولم یبال بالتوهم وآخرون کونها مصدریة، والمصدر فاعل * (قلیلا) * وکانوا مقدرة فی نظم الکلام فتکون على طرز * (کانوا قلیلا من اللیل ما یهجعون) * (الذریات: 17) - ولا یخفى ما فیه من التکلف، وجوز أیضا انتصاب قلیلا على الحال إما من ضمیر الإیمان أو من فاعل * (یؤمنون) * والتقدیر فیؤمنونه أی الإیمان فی حال قلته، وهو المروی عن سیبویه أو فیؤمنون حال کونهم جمعا قلیلا أی المؤمن منهم قلیل، وهو المروی عن ابن عباس وطلحة وقتادة، ولذا جوز کونه نعتا للزمان أی زمانا قلیلا وهو زمان الاستفتاح أو بلوغ الروح التراقی، أو ما قالوا: * (آمنوا بالذی أنزل على الذین آمنوا وجه النهار واکفروا آخره) * (آل عمران: 72) وأولى الوجوه أولها، والظاهر أن المراد بالإیمان المعنى اللغوی، والقلة مقابل الکثرة، وقال الزمخشری: یجوز أن تکون بمعنى العدم، وکأنه أخذه من کلام الواقدی لا قلیلا ولا کثیرا؛ واعترضه فی " البحر " بأن القلة بمعنى النفی، وإن صحت لکن فی غیر هذا الترکیب لأن قلیلا انتصب بالفعل المثبت، فصار نظیر قمت قلیلا أی قیاما قلیلا، ولا یذهب ذاهب إلى أنک إذا أتیت بفعل مثبت، وجعلت قلیلا صفة لمصدره یکون المعنى فی المثبت الواقع على صفة أو هیئة انتفاء ذلک المثبت رأسا، وعدم وقوعه بالکلیة، وإنما الذی نقل النحویون أنه قد یراد بالقلة النفی المحض فی قولهم - أقل رجل یقول ذلک، وقلما یقوم زید - فحملها هنا على ذلک لیس بصحیح، ولیت شعری أی معنى لقولنا یؤمنون إیمانا معدوما، وما نقل الکسائی عن العرب أنهم یقولون: مررنا بأرض قلیلا ما تنبت ویریدون لا تنبت شیئا فإنما ذلک لأن قلیلا حال من الأرض، وإن کان نکرة، و (ما) مصدریة والتقدیر قلیلا إنباتها فلا مانع فیه من حمل القلة على العدم - وأین ما نحن فیه - من ذاک اللهم إلا على بعض الوجوه المرجوحة لکن الزمخشری غیر قائل به، ویمکن أن یقال: إن ذلک على طریق الکنایة فإن قلة الشیء تستتبع عدمه فی أکثر الأوقات لا على أن لفظ القلة مستعمل بمعنى العدم فإنه هنا قول بارد جدا ولو أوقد علیه الواقدی ألف سنة. * (ولما جآءهم کتابمن عند الله مصدق لما معهم وکانوا من قبل یستفتحون على الذین کفروا فلما جآءهم ما عرفوا کفروا به فلعنة الله على الکافرین) *
|