|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣٣۹
عند البعض، وصرح النووی فی " الروضة " بحرمته، وفسره الجمهور بأنه خارق للعادة یظهر من نفس شریرة بمباشرة أعمال مخصوصة والجمهور على أن له حقیقة وأنه قد یبلغ الساحر إلى حیط یطیر فی الهواء ویمشی على الماء ویقتل النفس ویقلب الإنسان حمارا، والفاعل الحقیقی فی کل ذلک هو الله تعالى ولم تجر سنته بتمکین الساحر من فلق البحر وإحیاء الموتى وإنطاق العجماء وغیر ذلک من آیات الرسل علیهم السلام، والمعتزلة وأبو جعفر الاستراباذی من أصحابنا على أنه لا حقیقة له وإنما هو تخییل، وأکفر المعتزلة من قال ببلوغ الساحر إلى حیث ما ذکرنا زعما منهم أن بذلک انسداد طریق النبوة ولیس کما زعموا على ما لا یخفى، ومن المحققین من فرق بین السحر والمعجزة باقتران المعجزة بالتحدی بخلافه فإنه لا یمکن ظهوره على ید مدعی نبوة کاذبا کما جرت به عادة الله تعالى المستمرة صونا لهذا المنصب الجلیل عن أن یتسور حماه الکذابون. وقد شاع أن العمل به کفر حتى قال العلامة التفتازانی: لا یروى خلاف فی ذلک، وعده نوعا من الکبائر مغایر الإشراک لا ینافی ذلک لأن الکفر أعم والإشراک نوع منه وفیه بحث: أما أولا: فلأن الشیخ أبا منصور ذهب إلى أن القول بأن السحر کفر على الإطلاق خطأ بل یجب البحث عن حقیقته فإن کان فی ذلک رد ما لزم من شرط الإیمان فهو کفر وإلا فلا، ولعل ما ذهب إلیه العلامة مبنی على التفسیر أولا فإنه علیه مما لا یمتری فی کفر فاعله، وأما ثانیا: فلأن المراد من الإشراک فیما عدا الکبائر مطلق الکفر وإلا تخرج أنواع الکفر منها، ثم السحر الذی هو کفر یقتل علیه الذکور لا الإناث وما لیس بکفر، وفیه إهلاک النفس ففیه حکم قطاع الطریق ویستوی فیه الذکور والإناث وتقبل توبته إذا تاب، ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة موسى قبلت توبتهم کذا فی " المدارک "، ولعله إلى الأصول أقرب، والمشهور عن أبی حنیفة رضی الله تعالى عنه أن الساحر یقتل مطلقا إذا علم أنه ساحر ولا یقبل قوله: أترک السحر وأتوب عنه فإن أقر بأنی کنت أسحر مدة وقد ترکت منذ زمان قبل منه ولم یقتل؛ واحتج بما روی أن جاریة لحفصة أم المؤمنین رضی الله تعالى عنها سحرتها فأخذوها فاعترفت بذلک فأمرت عبد الرحمن بن زید فقتلها، وإنکار عثمان رضی الله تعالى عنه إنما کان لقتلها بغیر إذنه. وبما روی عن عمر رضی الله تعالى عنه أنه قال: اقتلوا کل ساحر وساحرة فقتلوا ثلاث سواحر، والشافعیة نظروا فی هذا الاحتجاج واعترضوا على القول بالقتل مطلقا بأنه صلى الله علیه وسلم لم یقتل الیهودی الذی سحره، فالمؤمن مثله لقوله علیه السلام: " لهم ما للمسلمین وعلیهم ما على المسلمین " وتحقیقه فی الفروع، واختلف فی تعلیمه وتعلمه فقیل: کفر لهذه الآیة إذ فیها ترتیب الحکم على الوصف المناسب وهو مشعر بالعلیة، وأجیب بأنا لا نسلم أن فیها ذلک لأن المعنى أنهم کفروا وهم مع ذلک یعلمون السحر، وقیل: إنهما حرامان - وبه قطع الجمهور - وقیل: مکروهان - وإلیه ذهب البعض - وقیل: مباحان، والتعلیم المساق للذم هنا محمول على التعلیم للإغواء والإضلال، وإلیه مال الإمام الرازی قائلا: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر لیس بقبیح ولا محظور لأن العلم لذاته شریف لعموم قوله تعالى: * (هل یستوی الذین یعلمون والذین لا یعلمون) * (الزمر: 9) ولو لم یعلم السحر لما أمکن الفرق بینه وبین (المعجزة) والعلم بکون المعجز معجزا واجب وما یتوقف الواجب علیه فهو واجب فهذا یقتضی أن یکون تحصیل العلم بالسحر واجبا وما یکون واجبا کیف یکون حراما وقبیحا. ونقل بعضهم وجوب تعلمه على المفتی حتى یعلم ما یقتل به وما لا یقتل به، فیفتی به فی وجوب القصاص انتهى. والحق عندی الحرمة تبعا للجمهور إلا لداع شرعی، وفیما قاله رحمه الله تعالى نظر. أما أولا: فلأنا لا ندعی أنه قبیح لذاته، وإنما قبحه باعتبار ما یترتب علیه، فتحریمه
|