تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ٣٤٠   

من باب سد الذرائع - وکم من أمر حرم لذلک - وفی الحدیث: " من حام حول الحمى یوشک أن یقع فیه ". وأما ثانیا: فلأن توقف الفرق بینه وبین المعجزة على العلم به ممنوع، ألا ترى أن أکثر العلماء أو کلهم - إلا النادر - عرفوا الفرق بینهما ولم یعرفوا علم السحر - وکفى فارقا بینهما ما تقدم، ولو کان تعلمه واجبا لذلک لرأیت أعلم الناس به الصدر الأول مع أنهم لم ینقل عنهم شیء من ذلک، أفتراهم أخلوا بهذا الواجب وأتى به هذا القائل، أو أنه أخل به کما أخلوا وأما ثالثا: فلأن ما نقل عن بعضهم غیر صحیح، لأن إفتاء المفتی بوجوب القود أو عدمه لا یستلزم معرفته علم السحر لأن صورة إفتائه - على ما ذکره العلامة ابن حجر - إن شهد عدلان عرفا السحر وتابا منه أنه یقتل غالبا قتل الساحر وإلا فلا - هذا وقد أطلق بعض العلماء السحر على المشی بین الناس بالنمیمة لأن فیها قلب الصدیق عدوا والعدو صدیقا، کما أطلق على حسن التوسل باللفظ الرائق العذب لما فیه من الاستمالة، ویسمى سحرا حلالا، ومنه قوله صلى الله علیه وسلم: " إن من البیان لسحرا " والقول بأنه مخرج مخرج الذم للفصاحة والبلاغة بعید - وإن ذهب إلیه عامر الشعبی راوی الحدیث - وظاهر قوله تعالى: * (یعلمون) * الخ أنهم یفهمونهم إیاه بالإقراء والتعلیم، وقیل: یدلونهم على تلک الکتب، فأطلق على تلک الدلالة تعلیما إطلاقا للسبب على المسبب، وقیل: المعنى یوقرون فی قلوبهم أنها حق تضر وتنفع، وأن سلیمان علیه السلام إنما تم له ما تم بذلک - والإطلاق علیه هو الإطلاق - وقیل: * (یعلمون) * بمعنى یعلمون من الإعلام وهو الإخبار، أی یخبرونهم بما أو بمن یتعلمون به أو منه (السحر) وقرأ نافع وعاصم وابن کثیر وأبو عمرو * (لکن) * بالتشدید وابن عامر وحمزة والکسائی - بالتخفیف وارتفاع ما بعدها بالابتداء والخبر - وهل یجوز إعمالها إذا خففت؟ فیه خلاف، والجمع على المنع - وهو الصحیح - وعن یونس والأخفش الجواز، والصحیح إنها بسیطة ومنهم: من زعم أنها مرکبة من (لا) النافیة - وکاف الخطاب - (وأن) المؤکدة المحذوفة الهمزة للاستثقال، وهو إلى الفساد أقرب.
* (وما أنزل على الملکین) * المراد: الجنس، وهو عطف على * (السحر) * وهما واحد إلا أنه نزل تغایر المفهوم منزلة تغایر الذات کما فی قوله: إلى الملک القرم وابن الهمام البیت، وفائدة العطف التنصیص بأنهم - یعلمون - ما هو جامع بین کونه سحرا وبین کونه منزلا على الملکین للابتلاء، فیفید ذمهم بارتکابهم النهی بوجهین، وقد یراد بالموصول المعهود - وهو نوع آخر أقوى - فیکون من عطف الخاص على العام إشارة إلى کماله، وقال مجاهد: هو دون السحر وهو - ما یفرق به بین المرء وزوجه - لا غیر والمشهور الأول، وجوز العطف على * (ما تتلوا) * فکأنه قیل: اتبعوا السحر المدون فی الکتب وغیره، وهذان الملکان أنزلا لتعلیم السحر ابتلاء من الله تعالى للناس، فمن تعلم وعمل به کفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإیمان، ولله تعالى أن یمتحن عباده بما شاء کما امتحن قوم طالوت بالنهر، وتمییزا بینه وبین المعجزة حیث أنه کثر فی ذلک الزمان، وأظهر السحرة أمورا غریبة وقع الشک بها فی النبوة، فبعث الله تعالى الملکین لتعلیم أبواب السحر حتى یزیلا الشبه ویمیطا الأذى عن الطریق، قیل: کان ذلک فی زمن إدریس علیه السلام، وأما ما روی أن الملائکة تعجبت من بنی آدم فی مخالفتهم ما أمر الله تعالى به، وقالوا له تعالى: لو کنا مکانهم ما عصیناک، فقال: اختاروا ملکین منکم، فاختاروهما، فهبطا إلى الأرض ومثلا بشرین، وألق الله تعالى علیهما الشبق، وحکما بین الناس، فافتتنا بأمرأة یقال لها زهرة، فطلباها وامتنعت إلا أن یعبدا صنما، أو یشربا خمرا، أو یقتلا


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب