تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ٣٦۷   

منقادون له لا یستعصی شیء منهم على مشیئته وتکوینه إیجادا وإعداما وتغیرا من حال إلى حال، وهذا یستلزم الحدوث والإمکان المنافی للوجوب الذاتی فکل من کان متصفا بهذه الصفة لا یکون والدا لأن من حق الولد أن یشارک والده فی الجنس لکونه بعضا منه، وإن لم یماثله، وکان الظاهر کلمة من مع * (قانتون) * کیلا یلزم اعتبار التغلیب فیه، ویکون موافقا لسوق الکلام فإن الکلام فی العزیر والمسیح والملائکة وهم عقلاء إلا أنه جاء بکلمة (ما) المختصة بغیر أولی العلم کما قاله بعضهم محتجا بقصة الزبعری مخالفا لما علیه الرضى من أنها فی الغالب لما لا یعلم، ولما علیه الأکثرون من عمومها کما فی " التلویح "، واعتبر التغلیب فی * (قانتون) * إشارة إلى أن هؤلاء الذین جعلوهم ولد الله تعالى سبحانه وتعالى فی جنب عظمته جمادات مستویة الأقدام معها فی عدم الصلاحیة لاتخاذ الولد، وقیل: أتى بما فی الأول لأنه إشارة إلى مقام الألوهیة، والعقلاء فیه بمنزلة الجمادات، وبجمع العقلاء فی الثانی لأنه إشارة إلى مقام العبودیة، والجمادات فیه بمنزلة العقلاء.
ویحتمل أن یقدر المضاف إلیه کل ما جعلوه ولدا لدلالة المقول لا عاما لدلالة مبطله، ویراد بالقنوت الانقیاد لأمر التکلیف کما أنه على العموم الانقیاد لأمر التکوین، وحینئذ لا تغلب فی * (قانتون) * وتکون الجملة إلزاما بأن ما زعموه ولدا مطیع لله تعالى مقر بعبودیته بعد إقامة الحجة علیهم بما سبق، وترک العطف للتنبیه على استقلال کل منهما فی الدلالة على الفساد واختلافهما فی کون أحدهما حجة والآخر إلزاما، وعلى الأول یکون الأخیر مقررا لما قبله، وذکر الجصاص أن فی هذه الآیة دلالة على أن ملک الإنسان لا یبقى على ولده لأنه نفى الولد باثبات الملک باعتبار أن اللام له فمتى ملک ولده عتق علیه، وقد حکم صلى الله علیه وسلم بمثل ذلک فی الوالد إذا ملکه ولده؛ ولا یخفى أن هذا بعید عما قصد بالآیة لا سیما إذا کان الأظهر الاختصاص کما علمت.
* (بدیع السم‌اوات والارض وإذا قضى أمرا فإنما یقول له کن فیکون) *
* (بدیع السم‌اوات والأرض) * أی مبدعهما فهو فعیل من أفعل وکان الأصمعی ینکر فعیلا بمعنى مفعل، وقال ابن بری: قد جاء کثیرا نحو مسخن وسخین ومقعد وقعید وموصى ووصی ومحکم وحکیم ومبرم وبریم ومونق وأنیق فی أخوات له، ومن ذلک السمیع فی بیت عمرو بن معدی کرب السابق. والاستشهاد بناءا على الظاهر المتبادر على ما هو الألیق بمباحث العربیة فلا یرد ما قیل فی البیت لأنه على خلافه کما لا یخفى على المنصف، وقیل: هو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها للتخفیف أی بدیع سمواته. وأنت تعلم أنه قد تقرر أن الصفة إذا أضیفت إلى الفاعل یکون فیها ضمیر یعود إلى الموصوف فلا تصح الإضافة إلا إذا صح اتصاف الموصوف بها نحو - حسن الوجه - حیث یصح اتصاف الرجل بالحسن لحسن وجهه بخلاف حسن الجاریة وإنما صح زید کثیر الاخوان لاتصافه بأنه متقو بهم، وفیما نحن فیه - وإن امتنع اتصافه بالصفة المذکورة - لکن یصح اتصافه بما دلت علیه وهو کونه مبدعا لهما. وهذا یقتضی أن یکون الأولى بقاء المبدع على ظاهره وهو الذی علیه أساطین أهل اللغة، والإبداع اختراع الشیء لا عن مادة ولا فی زمان، ویستعمل ذلک فی إیجاده تعالى للمبادی - کما قاله الراغب وهو غیر الصنع إذ هو ترکیب الصورة بالعنصر؛ ویستعمل فی إیجاد الأجسام وغیر التکوین فإنه ما یکون بتغیر وفی زمان غالبا وإذا أرید من السموات والأرض جمیع ما سواه تعالى من المبدعات والمصنوعات والمکونات لاحتوائها على عالم الملک والملکوت فبعد اعتبار التغلیب یصح إطلاق کل من الثلاثة إلا أن لفظ الإبداع ألیق لأنه یدل على کمال قدرته تعالى، والقول بتعین حمل الإبداع على التکوین من مادة أو أجزاء لأن إیجاد السموات من شیء کما یشیر إلیه قوله تعالى: * (ثم استوى إلى السماء


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب