|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۹٠
من الآیة ظاهرا النهی عن الموت على خلاف تلک الحال، ولیس بمقصود لأنه غیر مقدور وإنما المقدور قیده فیعود النهی إلیه کما سمعت لما أن الامتناع عن الاتصاف بتلک الحال یستتبع الامتناع عن الموت فی تلک الحال فأما أن یقال استعمل اللفظ الموضوع للأول فی الثانی فیکون مجازا، أو یقال استعمل اللفظ فی معناه لینتقل منه إلى ملزومه فیکون کنایة، وقال الفاضل الیمنی: إن هذا کنایة بنفی الذات عن نفی الحال على عکس ما قیل فی قوله تعالى: * (کیف تکفرون بالله) * (البقرة: 28) من أنه کنایة بنفی الحال عن نفی الذات، وفیه أن نفی الذات إنما یصیر کنایة عن نفی جمیع الصفات لا عن صفة معینة فافهم، والمراد من الأمر الذی یشیر إلیه ذلک النهی الثبات على الإسلام لأنه اللازم له، والمقصود من التوصیة، ولأن أصل الإسلام کان حاصلا لهم، وإنما أدخل حرف النفی على الفعل مع أنه لیس منهیا عنه للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خیر فیه، وأن حقه أن لا یحل بهم وأنه یجب أن یحذروه غایة الحذر، وذکر بعضهم أن الإسلام المأمور به هنا ما یکون بالقلب دون العمل بالجوارح لأن ذلک مما لا یکاد یمکن عند الموت ولهذا ورد فی الحدیث: " اللهم من أحییته منا فأحیه على الإسلام ومن توفیته منا فتفوه على الإیمان " ولا یخفى ما فیه. * (أم کنتم شهدآء إذ حضر یعقوب الموت إذ قال لبنیه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلاهک وإلاه آبآئک إبراهیم وإسماعیل وإسحاق إلاها واحدا ونحن له مسلمون) * * (أم کنتم شهدآء إذ حضر یعقوب الموت) * الخطاب لجنس الیهود أو الموجودین فی زمانه صلى الله علیه وسلم على ما یشیر إلیه سبب النزول فقد ذکر الواحدی أن الآیة نزلت فی الیهودی حین قالوا للنبی صلى الله علیه وسلم: ألست تعلم أن یعقوب لما مات أوصى بنیه بالیهودیة؟ و * (أم) * إما منقطعة بمعنى بل، وهمزة الإنکار، ومعنى بل الإضراب عن الکلام الأول وهو بیان التوصیة إلى توبیخ الیهود على ادعائهم الیهودیة على یعقوب وأبنائه، وفائدته الانتقال من جملة إلى أخرى أهم منها أی ما کنتم حاضرین حین احتضاره علیه الصلاة والسلام وسؤاله بنیه عن الدین فلم تدعون ما تدعون؟! ولک أن تجعل الاستفهام للتقریر أی کانت أوائلکم حاضرین حین وصى بنیه علیه الصلاة والسلام بالإسلام والتوحید وأنتم عالمون بذلک فما لکم تدعون علیه خلاف ما تعلمون؟! فیکون قد نزل علمهم بشهادة أوائلهم منزلة الشهادة فخوطبوا بما خوطبوا، وإما متصلة وفی الکلام حذف - والتقدیر أکنتم غائبین أم کنتم شاهدین - ولیس الاستفهام على هذا على حقیقته للعلم بتحقق الأول وانتفاء الثانی بل هو للإلزام والتبکیت أی أی الأمرین کان فمدعاکم؟ باطل، أما على الأول: فلأنه رجم بالغیب، وأما على الثانی: فلأنه خلاف المشهور، واعترض أبو حیان على هذا الوجه بأنا لا نعلم أحدا أجاز حذف الجملة المعطوف علیها فی (أم) المتصلة وإنما سمع حذف (أم) مع المعطوف لأن الثوانی تحتمل ما لا تحتمل الأوائل، وقیل: الخطاب للمؤمنین ومعنى بل الإضراب عن الکلام الأول والأخذ فیما هو الأهم وهو التحریض على اتباعه صلى الله علیه وسلم بإثبات بعض معجزاته وهو الإخبار عن أحوال الأنبیاء السابقین من غیر سماع من أحد ولا قراءة من کتاب کأنه تعالى بعد ذکر ما تقدم التفت إلى مؤمنی الأمة أما شهدتم ما جرى وأما علمتم ذلک بالوحی وإخبار الرسول صلى الله علیه وسلم فعلیکم باتباعه إلا أنه اکتفى بذکر مقاولة یعقوب وبنیه لیعلم عدم حضورهم حین توصیة إبراهیم علیه الصلاة والسلام بطریق الأولى، ولا یخفى أن هذا القائل لم یعتبر سبب النزول ولعله لما فیه من الضعف حتى قال الإمام السیوطی: لم أقف علیه، و - الشهداء - جمع شهید أو شاهد بمعنى حاضر، وحضر من باب قعد، وقرىء * (حضر) * بالکسر ومضارعه أیضا - یحضر - بالضم وهی لغة شاذة، وقیل: إنها على التداخل. * (إذ قال لبنیه) * بدل من * (إذ حضر) * بدل اشتمال وکلاهما مقصودان کما هو المقرر فی إبدال الجمل إلا أن فی البدل زیادة بیان لیست فی المبدل منه ولو تعلقت إذ هنا ب * (قالوا) * لم ینتظم الکلام.
|