|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۹۷
المتواترة - وخفی علیه معناها - ومن الناس من قال: یمکن الاستغناء عن جمیع ذلک بأن یقال: فإن آمن الیهود بمثل ما آمنتم کمؤمنیهم قبل التحریف، فإنهم آمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، فإن فیما أوتی به النبیون فی زمن محمد صلى الله علیه وسلم ما أنزل إلیه - ولم یکن ذلک قله - إلا أن هذا التوجیه یقتضی إبقاء صیغة الماضی على معناها کما فی قولهم: إن أکرمتنی فقد أکرمتک، فتأمل انتهى. وأنت تعلم أن المؤمن به لا یتصور فیه التعدد وإبقاء الکلام على ظاهره، والاستغناء عن جمیع ما ذکر یستدعی وجود ذلک التعدد المحال، فماذا عسى ینفع هذا سوى تکثیر القیل والقال، وتوسیع دائرة النزاع والجدال فتدبر. * (وإن تولوا) * أی أعرضوا عن الإیمان المأمور به، أو عن قولکم فی جواب قولهم. * (فانما هم فی شقاق) * أی مخالفة لله تعالى - قاله ابن عباس - أو منازعة ومحاربة - قاله ابن زید - أو عداوة - قاله الحسن - واختلف فی اشتقاق - الشقاق - فقیل: من الشق أی الجانب، وقیل: من المشقة، وقیل: مأخوذ من قولهم: شق العصا إذا أظهر العداوة - والتنوین للتفخیم - والجملة جواب الشرط إما على أن المراد مشاقتهم الحادثة بعد تولیهم عن الإیمان، وأوثرت الاسمیة للدلالة على ثباتهم واستقرارهم على ذلک، وإما بتأویل فاعلموا. * (فسیکفیکهم الله) * تسلیة له صلى الله علیه وسلم وتفریح للمؤمنین بوعد النصر والغلبة وضمان التأیید والإعزاز على أبلغ وجه للسین الدالة على تحقق الوقوع ألبتة، أو للتذییل الآتی حیث أن السین فی المشهور لا تدل على أکثر من التنفیس عقب ذکر ما یؤدی إلى الجدال والقتال، والمراد سیکفیک کیدهم وشقاقهم لأن الکفایة لا تتعلق بالأعیان بل بالأفعال، وتلوین الخطاب بتجریده للنبی صلى الله علیه وسلم مع أنه سبحانه أنجز وعده الکریم بما هو کفایة للکل من قتل بنی قریظة وسبیهم وإجلاء بنی النضیر لما أنه صلى الله علیه وسلم الأصل والعمدة فی ذلک وهو سلک حبات أفئدة المؤمنین ومطمح نظر کید الکافرین، وللإیذان بأن القیام بأمور الحروب وتحمل المشاق ومقاساة الشدائد فی مناهضة الأعداء من وظائف الرؤساء فنعمته تعالى فی الکفایة والنصرة فی حقه أتم وأکمل * (وهو السمیع العلیم) * تذییل لما سبق الوعد وتأکید له أی: هو السمیع لما تدعو به العلیم بما فی نیتک من إظهار دینه فیستجیب لک ویوصلک إلى مرادک أو وعید للکفرة بمعنى - یسمع - ما یبدون - ویعلم - ما یخفون مما لا خیر فیه وهو معاقبهم علیه، وفیه أیضا تأکید الوعد السابق فإن وعید الکفرة وعد للمؤمنین. * (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون) * * (صبغة الله) * الصبغة بالکسر فعلة من - صبغ - کالجلسة من جلس وهی الحالة التی یقع علیها - الصبغ - عبر بها عن التطهیر بالإیمان بما ذکر على الوجه الذی فصل لأنه ظهر أثره علیهم ظهور - الصبغ - على - المصبوغ - وتداخل فی قلوبهم تداخله فیه وصار حلیة لهم فهناک استعارة تحقیقیة تصریحیة والقرینة الإضافة والجامع ما ذکر، وقیل: للمشاکلة التقدیریة فإن النصارى کانوا - یصبغون - أولادهم بماء أصفر یسمونه المعمودیة یزعمون أنه الماء الذی ولد فیه عیسى علیه الصلاة والسلام ویعتقدون أنه تطهیر للمولود کالختان لغیرهم، وقیل: هو ماء یقدس بما یتلى من الإنجیل ثم تغسل به الحاملات، ویرد على هذا الوجه أن الکلام عام للیهود غیر مختص بالنصارى اللهم إلا أن یعتبر أن ذلک الفعل کائن فیما بینهم فی الجملة ونصبها على أنها مصدر مؤکد لقوله تعالى: * (آمنا) * (البقرة: 136) وهی من المصادر المؤکدة لأنفسها فلا ینافی کونها للنوع والعامل فیها - صبغنا - کأنه قیل - صبغنا الله صبغته - وقدر المصدر مضافا إلى الفاعل لتحقق
|