|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۷۱
أقل الحمد لله؟! " فلو لم یفهموا رضی الله تعالى عنهم إطلاق الشکر على العمل لم ینتظروه، وزاد بعضهم فی أقسام الشکر رابعا وهو شکر الله تعالى بالله فلا یشکره حق شکره إلا هو ذکره صاحب " التجرید " وأنشد: وشکری ذوی الإحسان بالقلب تارة * وبالقول أخرى ثم بالعمل الأثنی وشکری لربی لا بقلبی وطاعتی * ولا بلسانی بل به شکرنا عنا والذی أطبق علیه الناس التثلیث وعلى کل حال بینه وبین الحمد عموم وخصوص من وجه والحمد أقوى شعبة لأن حقیقته إشاعة النعمة والکشف عنها کما أن کفرانها إخفاؤها وسترها وتلک بالقول أتم لأن الاعتقاد أمر خفی فی نفسه وعمل الجوارح وإن کان ظاهرا إلا أنه یحتمل خلاف ما قصد به وکم فرق بین حمدت الله وشکرته ومجدته وعظمته وبین أفعال العبادة وهی کلها موافقة للعادة ولسان الحال أنطق من لسان المقال أمر ادعائی کما هو المعروف فی أمثاله، ولهذا قال صلى الله علیه وسلم فیما رواه ابن عمر رضی الله تعالى عنهما: " الحمد رأس الشکر ما شکر الله تعالى عبد لا یحمده " وهو وإن کان فیه انقطاع إلا أن له شاهدا یتقوى به وإن کان مثله فحیث کان النطق یجلی کل مشتبه وکان الحمد أظهر الأنواع وأشهرها حتى إذا فقد کان ما عداه بمنزلة العدم شبهه صلى الله علیه وسلم بالرأس الذی هو أظهر الأعضاء وأعلاها والأصل لها والعمدة فی بقائها وکأنه لهذا أتى به الرب سبحانه لیکون الرأس للرئیس ویفتتح النفیس بالنفیس أو لأنه لو قال جل شأنه الشکر لله کان ثناء علیه تعالى بسبب إنعام وصل إلى ذلک القائل والحمد لله لیس کذلک فهو أعلى کعبا وأظهر عبودیة ویمکن أن یقال إن الشکر على الإعطاء وهو متناه والحمد یکون على المنع وهو غیر متناه فالابتداء بشکر دفع البلاء الذی لا نهایة له على جانب من الحسن لا نهایة له ودفع الضر أهم من جلب النفع فتقدیمه أحرى، وأیضا مورد الحمد فی المشهور خاص ومتعلقه عام والشکر بالعکس موردا ومتعلقا ففی إیراده دونه إشارة قدسیة ونکتة على ذوی الکثرة خفیة وإلى الله ترجع الأمور وکأنه لمراعاة هذه الإشارة لم یأت بالتسبیح مع أنه مقدم على التحمید إذ یقال سبحان الله والحمد لله على أن التسبیح داخل فی التحمید دون العکس فإن الأول یدل على کونه سبحانه وتعالى مبرأ فی ذاته وصفاته عن النقائص والثانی یشیر إلى کونه محسنا إلى العباد ولا یکون محسنا إلیهم إلا إذا کان عالما قادرا غنیا لیعلم مواقع الحاجات فیقدر على تحصیل ما یحتاجون إلیه ولا یشغله حاجة نفسه عن حاجة غیره، وإن أبیت - ولا أظن - قلنا کل تسبیح حمد ولیس کل حمد تسبیحا لأن التسبیح یکون بالصفات السلبیة فحسب والحمد بها وبالثبوتیة على ما سلف فهو أعم منه بذلک الاعتبار فافتتح به لأنه لجمعیته وشموله أوفق بحال القرآن وتقدیم التسبیح هناک لغرض آخر ولکل مقام مقال والتعریف هنا للجنس ومعناه الإشارة إلى ما یعرفه کل أحد من أن الحمد ما هو مثله فی قول لبید یصف العیر وأتنه: وأرسلها العراک ولم یذدها * ولم یشفق على نفض الدخال
|