تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۸۵   

کذلک والتعیین مفوض للمقام وذلک لاشتماله على الأزمنة الثلاث ولا یرد أن (یوم الدین) وما فیه لیس مستمرا فی جمیع الأزمنة فکیف یتصور کونه تعالى مالکا على الاستمرار لأنا نقول لیس عند ربک صباح ولا مساء وهو سبحانه لیس بزمانی والأزل والأبد عنده نقطة واحدة والفرق بینهما بالاعتبار والتعبیرات المختلفة فی کلامه عز شأنه بالنظر إلى حال المخاطب فالاستمرار بالنظر إلیه تعالى متحقق بلا شبهة ومن هنا یستنبط جواب للسؤال المشهور بأن المالک لا یکون مالکا للشیء إلا إذا کان موجودا ویوم الدین غیر موجود الآن، وأجاب غیر واحد بأن یوم الدین لما کان محققا جعل کالقائم فی الحال وأیضا من مات فقد قامت قیامته فکأن القیامة حاصلة فی الحال فزال السؤال، ولا یخفى أن السؤال باق على مذهب بعض المتکلمین القائلین بأن الزمان معدوم إذ یقال بعد أن تملک المعدوم محال إلا أن یقال یجعل الکلام کنایة عن کونه مالکا للأمر کله لأن تلک الزمان کتلک المکان یستلزم تملک جمیع ما فیه ولا یلزم فی الکنایة إمکان المعنى الحقیقی والاستلزام بمعنى الانتقال فی الجملة لا بمعنى عدم الانفکاک فلا یرد المنع وأنت إذا قرأت (ملک) تسلم من هذا القیل والقال إن جعلته صفة مشبهة أو ألحقته بأسماء الأجناس الجامدة کسلطان وأما إذا جعلته صیغة مبالغة کحذر - وهو ملحق باسم الفاعل - فیرد علیک ما ورد علینا وأنا من فضل الله تعالى لا تحرکنی العواصف بل ذلک یزیدنی فی المالک حبا، وإنما قال * (مالک یوم الدین) * ولم یقل یوم القیامة مراعاة للفاصلة وترجیحا للعموم فإن الدین بمعنى الجزاء یشمل جمیع أحوال القیامة من ابتداء النشور إلى السرمد الدائم بل یکاد یتناول النشأة الأولى بأسرها على أن یوم القیامة لا یفهم منه الجزاء مثل یوم الدین ولا یخلو اعتباره عن لطف، وأیضا للدین معان شاع استعماله فیها کالطاعة والشریعة فتذهب نفس السامع إلى کل مذهب سائغ وقد قال بکل من هذین المعنیین بعض والمعنى حینئذ على تقدیر مضاف فعلى الأول یوم الجزاء الکائن للدین وعلى الثانی یوم الجزاء الثابت فی الدین وإذا أرید بالطاعة فی الأول الانقیاد المطلق لظهوره ذلک الیوم ظاهرا وباطنا وجعل إضافة یوم للدین فی الثانی لما بینهما من الملابسة باعتبار الجزاء لم یحتج إلى تقدیر، وتخصیص الیوم بالإضافة مع أنه تعالى مالک وملک جمیع الأشیاء فی کل الأوقات والأیام إما للتعظیم وإما لأن الملک والملک الحاصلین فی الدنیا لبعض الناس بحسب الظاهر یزولان وینسلخ الخلق عنهما انسلاخا ظاهرا فی الآخرة: * (وکلهم آتیه یوم القیامة فردا) * (مریم: 95) وینفرد سبحانه فی ذلک الیوم بهما انفرادا لا خفاء فیه ولذلک قال سبحانه: * (یوم لا تملک نفس لنفس شیئا والأمر یومئذ لله) * (الإنفطار 19) * (ولمن الملک الیوم لله الواحد القهار) * (غافر: 16) وأیضا هنالک یجتمع الأولون والآخرون ویقوم الروح والملائکة صفا وتجتمع العبید فی صعید واحد وتظهر صفة الجمال والجلال أتم ظهور فتعلم صفة المالکیة والملکیة للمجموع فی آن واحد فوق ما علمت لکل فرد فرد أو جمع جمع على توالی الأزمان وإنما ختم سبحانه هذه الأوصاف بهذا الوصف إشارة إلى الإعادة کما افتتح بما یشیر إلى الإبداء وفی إجرائها علیه تعالى تعلیل لإثبات ما سبق وتمهید لما لحق وفیه إیماء إلى أن الحمد لیس مجرد الحمد لله بل مع العلم بصفات الکمال ونعوت الجلال وهذه أمهاتها ولم تک تصلح إلا له ولم یک یصلح إلا لها وقد یقال فی إجراء هذه الأوصاف بعد ذکر اسم الذات الجامع لصفات الکمال إشارة إلى أن الذی یحمده الناس ویعظمونه إنما یکون حمده وتعظیمه لأحد أمور أربعة، إما لکونه کاملا فی ذاته وصفاته وإن لم یکن منه إحسان إلیهم، وإما لکونه محسنا إلیهم ومتفضلا علیهم، وإما لأنهم یرجون لطفه وإحسانه فی الاستقبال، وإما لأنهم یخافون من کمال قدرته فهذه هی الجهات الموجبة للحمد والتعظیم فکأنه سبحانه یقول یا عبادی إن کنتم تحمدون وتعظمون للکمال الذاتی والصفاتی فاحمدونی فإنی


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب