|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۸۹
ألا یرى إلى سید الخلق وحبیب الحق کیف عبر عن مقامه هذا بقوله: * (سبحان الذی أسرى بعبده لیلا) * (الإسراء: 1) فطلب التمکین بقوله: * (وإیاک نستعین إهدنا الصراط المستقیم) * واستعاذ عن التلوین بقوله: * (غیر المغضوب علیهم ولا الضالین) * فصعد مستکملا ورجع مکملا وکأنه لهذا سمیت الصلاة معراج المؤمنین، البحث الرابع: فی سر الالتفات من الغیبة إلى الخطاب وقد ازدحمت فیه أذهان العلماء بعد بیان نکتته العامة وهی التفنن فی الکلام والعدول من أسلوب إلى آخر تطریة له وتنشیطا للسامع فقیل لما ذکر الحقیق بالحمد ووصف بصفات عظام تمیز بها عن سائر الذوات وتعلق العلم بمعلوم معین خوطب بذلک لیکون أدل على الاختصاص والترقی من البرهان إلى العیان والانتقال من الغیبة إلى الشهود وکأن المعلوم صار عیانا والمعقول مشاهدا والغیب حضورا، وقیل لما شرح الله تعالى صدر عبده وأفاض على قلبه وقالبه نور الإیمان والإسلام من عنده ترقى بذریعة الحمد المستجلب لمزید النعم إلى رتبة الإحسان وهو: " أن تعبد الله تعالى کأنک تراه فإن لم تکن تراه فإنه یراک " وأیضا حقیقة العبادة انقیاد النفس الأمارة لأحکام الله تعالى وصورته وقالبه الإسلام ومعناه وروحه الإیمان ونوره الإحسان وفی * (نعبد) * والالتفات تتم الأمور الثلاثة وأیضا لما تبین أنه ملک فی الأزل ما فی أحایین الأبد علم أن الشاهد والغائب والماضی والمستقبل بالنسبة إلیه على حد سواء فلذلک عدل عن الغیبة إلى الخطاب ویحتمل أن یکون السر أن الکلام من أول السورة إلى هنا ثناء والثناء فی الغیبة أولى ومن هنا إلى الآخر دعاء وهو فی الحضور أولى والله تعالى حی کریم. وقیل إنه لما کان الحمد لا یتفاوت غیبة وحضورا بل هو مع ملاحظة الغیبة أدخل وأتم وکانت العبادة إنما یستحقها الحاضر الذی لا یغیب کما حکى سبحانه عن إبراهیم علیه السلام: * (فلما أفل قال لا أحب الآفلین) * (الأنعام: 76) لا جرم عبر سبحانه وتعالى عن الحمد بطریق الغیبة وعنها بطریق الخطاب إعطاء لکل منهما ما یلیق من النسق المستطاب وأیضا من تشبه بقوم فهو منهم، فالعابد لما رام ذلک سلک مسلک القوم فی الذکر ومزج عبادته بعبادتهم وتکلم بلسانهم وساق کلامه على طبق مساقهم عسى أن یصیر محسوبا فی عدادهم مندرجا فی سیاقهم: إن لم تکونوا منهم فتشبهوا * إن التشبه بالکرام فلاح وأیضا فیه إشارة إلى أن من لزم جادة الأدب والانکسار ورأى نفسه بعیدا عن ساحة القرب لکمال الاحتقار فهو حقیق أن تدرکه رحمة إلهیة وتلحقه عنایة أزلیة إلى حظائر القدس وتطلعه على سرائر الأنس فیصیر واطئا على بساط الاقتراب فائزا بعز الحضور وسعادة الخطاب. وأیضا إنه لما لم یکن فی الحمد مزید کلفة بخلاف العبادة فإ خطبها عظیم ومن دأب المحب تحمل المشاق العظیمة فی حضور المحبوب قرن سبحانه العبادة بما یشعر بحضوره لیأتی بها العابد خالیة عن الکلال عاریة عن الفتور والملال مقرونة بکمال النشاط موجبة لتمام الانبساط: حمامة جرعى حومة الجندل اسجعی * فأنت بمرأى من سعاد ومسمع وأیضا إن الحمد لیس إلا إظهار صفات الکمال على الغیر فما دام للأغیار وجود فی نظر السالک فهو یواجههم بإظهار مزایا المحبوب علیهم ویخاطبهم بذکر مآثره الجمیلة لدیهم وأما إذا آل أمره بملازمة الأذکار إلى ارتفاع الحجب والأستار واضمحلال جمیع الأغیار لم یبق فی نظره سوى المعبود الحق والجمال المطلق وانتهى إلى مقام الجمع وصار فی مقعد * (فأینما تولوا فثم وجه الله) * (البقرة: 115) فبالضرورة لا یصیر توجیه الخطاب إلا إلیه ولا یمکن إظهار السر إلا لدیه فینعطف عنان لسانه إلى جنابه ویصیر کلامه منحصرا فی خطابه، وثم وراء الذوق معنى یدق عن مدارک أرباب العقول السلیمة
|