|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۸۸
أذکرکم) * (البقرة: 152) وبین قوله للإسرائلیین: * (اذکروا نعمتى التی أنعمت علیکم) * (البقره: 40) وبین ما حکى عن الحبیب من قوله: * (لا تحزن إن الله معنا) * (التوبه: 40) وبین ما حکاه عن الکلیم من قوله: * (إن معی ربی سیهدین) * (الشعراء: 62). الثانی فی سر قوله * (نعبد) * دون أعبد فقد قیل هو الإشارة إلى حال العبد کأنه یقول إلهی ما بلغت عبادتی إلى حیث أذکرها وحدها لأنها ممزوجة بالتقصیر ولکن أخلطها بعبادة جمیع العابدین وأذکر الکل بعبارة واحدة حتى لا یلزم تفریق الصفقة وقیل النکتة فی العدول إلى الإفراد التحرز عن الوقوع فی الکذب فإنا لم نزل خاضعین لأهل الدنیا متذللین لهم مستعینین فی حوائجنا بمن لا یملک لنفسه نفعا ولا ضرا ولا حیاتا ولا موتا ولا نشورا ویا لیت الفحل یهضم نفسه فکیف یقول أحدنا إیاک أعبد وإیاک أستعین بالافراد ویمکن فی الجمع أن یقصد تغلیب الأصفیاء المتقین من الأولیاء والمقربین وقیل لو قال إیاک أعبد لکان ذلک بمعنى أنا العابد ولما قال * (إیاک نعبد) * کان المعنى أنی واحد من عبیدک وفرق بین الأمرین کما یرشدک إلیه قوله تعالى حکایة عن الذبیح علیه السلام: * (ستجدنی إن شاء الله من الصابرین) * (الصافات: 102) وقوله تعالى: حکایة عن موسى * (ستجدنی إن شاء الله صابرا) * (الکهف: 69) فصبر الذبیح لتواضعه بعد نفسه واحدا من جمع ولم یصبر الکلیم لإفراده نفسه مع أن کلا منهما علیهما السلام قال * (إن شاء الله) * وقیل الضمیر فی الفعلین للقاری ومن معه من الحفظة وحاضری الجماعة وقیل هو من باب: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ " على ما ذکره الغزالی قدس سره وقد تقدم، الثالث فی سر تقدیم فعل العبادة على فعل الاستعانة وله وجوه الأول أن العبادة أمانة کما قال تعالى: * (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبین أن یحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) * (الأحزاب: 72) فاهتم للأداء فقدم، الثانی أنه لما نسب المتکلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلک تبجحا واعتدادا منه بما صدر عنه فعقبه بقوله: * (وإیاک نستعین) * لیدل على أن العبادة مما لا تتم إلا بمعونة وتوفیق وإذن منه سبحانه، الثالث أن العبادة مما یتقرب بها العبد إلى الله تعالى والاستعانة لیست کذلک فالأول أهم، الرابع أنها وسیلة فتقدم على طلب الحاجة لأنه أدعى للإجابة. الخامس: أنها مطلوبة لله تعالى من العبادة، والاستعانة مطلوبهم منه سبحانه فتقدیم العبد ما یریده مولاه منه أدل على صدق العبودیة من تقدیم ما یریده من مولاه، السادس: أن العبادة واجبة حتما لا مناص للعبادة عن الإتیان بها حتى جعلت کالعلة لخلق الإنس والجن فکانت أحق بالتقدیم. السابع: أنها أشد مناسبة بذکر الجزاء والاستعانة أقوى التئاما بطلب الهدایة، الثامن: أن مبدأ الإسلام التخصیص بالعبادة والخلوص من الشرک والتخصیص بالاستعانة بعد الرسوخ، التاسع: أن فی تأخیر فعل الاستعانة توافق رءوس الآی، العاشر: أن أحدهما إذا کان مرتبطا بالآخر لم یختلف التقدیم والتأخیر کما یقال قضیت حقی فأحسنت إلی وأحسنت إلی فقضیت حقی. الحادی عشر: أن مقام السالکین ینتهی عند قوله * (إیاک نعبد) * وبعده یطلب التمکین وذلک أن الحمد مبادی حرکة المرید فإن نفس السالک إذا تزکت ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فیها أنوار العنایة الموجبة للولایة تجردت النفس الزکیة للطلب فرأت آثار نعم الله تعالى علیها سابغة وألطافه غیر متناهیة فحمدت على ذلک وأخذت فی الذکر فکشف لها الحجاب من وراء أستار العزة عن معنى * (رب العالمین) * فشاهدت ما سوى الله سبحانه على شرف الفناء مفتقرا إلى المبقى محتاجا إلى التربیة فترقت لطلب الخلاص من وحشة الأدبار وظلمة السکون إلى الأغیار فهبت لها من نفحات جناب القدس نسائم ألطاف الرحمن الرحیم فعرجت للمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الملک الحقیقی فنادت بلسان الاضطرار فی مقام * (لمن الملک الیوم لله الواحد القهار) * (غافر: 16) أسلمت نفسی إلیک وأقبلت بکلیتی علیک وهناک خاضت لجة الوصول وانتهت إلى مقام العین فحققت نسبة العبودیة فقال * (إیاک نعبد) * وهنا انتهاء مقام السالک
|