|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۹۱
کأنه قیل کیف أعینکم فقالوا اهدنا الصراط المستقیم وإنما کان أحسن لتلاؤم الکلام وأخذ بعضه بحجزة بعض انتهى، ووجه التخصیص حینئذ کمال احتیاج العبادة إلى طلب الإعانة لکونها على خلاف مقتضى النفس. * (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربی) * (یوسف: 53) والقرینة مقارنة العبادة ولا خفاء فی وضوحها وکون عموم المفعول متضمنا لما ذکر معارض بنکتة التخصیص والروایة عن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما لعلها لم تثبت کذا قیل، والإنصاف عندی أن الحمل على العموم أولى لیتوافق ألفاظ هذه السورة الکریمة فی المعنى المطلوب منها ولأن التوسل بالعبادة إلى تحصیل مرام یستوعب جمیع ما یصح أن یستعان فیه لیدخل فیه التوفیق دخولا أولیا أولى من مجرد التوفیق ویلائمه الصراط المستقیم فإنه أعم من العبادات والاعتقادات والأخلاق والسیاسات والمعاملات والمناکحات وغیر ذلک من الأمور الدینیة والنجاة من شدائد القبر والبرزخ والحشر والصراط والمیزان ومن عذاب النار والوصول إلى دار القرار والفوز بالدرجات العلى وکلها مفتقر إلى إعانة الله تعالى وفضله. وأیضا طرق الضلالات التی یستعاذ منها بغیر المغضوب علیهم ولا الضالین لا نهایة لها وباستعانته یتخلص من مهالکها. وأیضا لا یخفى أن المراد بالعبادة فی إیاک نعبد هی وما یتعلق بها وما تتوقف علیه فإذا توافق الاستعانة فی العموم. وأیضا قوله: * (أنعمت علیهم) * مطلق شامل کل إنعام، وأیضا لو کان المراد الاستعانة به وبتوفیقه على أداء العبادة یبقى حکم الاستعانة فی غیرها غیر معلوم فی أم الکتاب ولا أظن أحدا یقول إنه یعلم من هذا التخصیص فلا أختار أنا إلا العموم وقد ثبت فی الصحیح عنه صلى الله علیه وسلم أنه قال لابن عباس: " إذا استعنت فاستعن بالله " الحدیث وهو ظاهر فیه ولعل ابن عباس من هنا قال به فی الآیة إذا قلنا بثبوت ذلک عنه وهو الظن الغالب فمن استعان بغیره فی المهمات بل وفی غیرها فقد استسمن ذا ورم ونفخ فی غیر ضرم أفلا یستعان به وهو الغنی الکبیر أم کیف یطلب من غیره والکل إلیه فقیر؟ وإنی لأرى أن طلب المحتاج من المحتاج سفه من رأیه وضلة من عقله فکم قد رأینا من أناس طلبوا العزة من غیره فذلوا وراموا الثروة من سواه فافتقروا وحاولوا الارتفاع فاتضعوا فلا مستعان إلا به ولا عون إلا منه: إلیک وإلا لا تشد الرکائب * ومنک وإلا فالمؤمل خائب وفیک وإلا فالغرام مضیع * وعنک وإلا فالمحدث کاذب وقد قرأ عبید بن عمیر اللیثی وزید بن حبیش ویحیى بن وثاب والنخعی نعبد - بکسر النون - وهی لغة قیس وتمیم وأسد وربیعة وهذیل وکذلک حکم حروف المضارعة فی هذا الفعل وما أشبهه کنستعین مما لم ینضم ما بعدها فیه سوى الباء لاستثقال الکسرة علیها على أن بعضهم قال یجل بکسر یاء المضارعة من وجل وقرأ بعضهم یعلمون وقرأ الحسن وابن المتوکل وأبو محلف یعبد بالیاء مبنیا للمفعول وهو غریب وعن بعض أهل مکة أنه قرأ نعبد بإسکان الدال وقرأ الجمهور نعبد - بفتح النون وضم الدال - وهی لغة أهل الحجاز وهی الفصحى * (إهدنا الصراط المستقیم) * الهدایة دلالة بلطف لدلالة اشتقاقه ومادته علیه ولذا أطلق على المشیء برفق تهاد وسمیت الهدایة لطفا وقوله تعالى: * (فاهدوهم إلى صراط الجحیم) * وارد على الصحیح مورد التهکم على حد * (فبشرناهم بعذاب ألیم) * ویقال هداه لکذا وإلى کذا فتعدیه باللام وإلى إذا لم یکن فیه وهداه کذا بدونهما محتمل للحالین حتى لا یجوز فی * (والذین جاهدوا فینا لنهدینهم سبلنا) * لسبلنا أو إلى سبلنا إلا بإرادة الإرادة فی جاهدوا أو إرادة تحصیل المراتب العلیة فی سبلنا ومن ثم جمعها وقد ورد من عمل بما علم ورثة الله تعالى علم ما لم یعلم وقد یقال المراد بیان الاستعمال الحقیقی وأما باب التجوز فواسع وهل یعتبر فی الدلالة الإیصال أم لا
|