|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۹۲
فیه اختلاف المتأخرین من أهل اللسان ففریق خصها بالدلالة الموصلة وآخرون بالدلالة على ما یوصل، وقلیل قال إن تعدت إلى المفعول الثانی بنفسها کانت بمعنى الإیصال ولا تسند إلا إلیه تعالى کما فی الآیة وإن تعدت باللام أو إلى کانت بمعنى إراءة الطریق فکما تسند إلیه سبحانه تسند إلى القرآن کقوله تعالى: * (إن هذا القرآن یهدی للتی هی أقوم) * وإلى النبی صلى الله علیه وسلم کقوله تعالى: * (وإنک لتهدی إلى صراط مستقیم) * والکل من هذه الآراء غیر خال عن خلل، أما الأول فیرد علیه قوله تعالى: * (وأما ثمود فهدیناهم فاستحبوا العمى على الهدى) * والجواب بجواز وقوعهم فی الضلال بالارتداد بعد الوصول إلى الحق لا یساعده ما فی التفاسیر والتواریخ فإنها ناطقة بأن الجم الغفیر من قوم ثمود لم یتصفوا بالإیمان قطعا ومن آمن من قومه إلا قلیل وقد بقوا على إیمانهم ولم یرتدوا على أن صاحب الذوق یدرک من نفس الآیة خلاف الفرض کما لا یخفى. وأما الثانی فیرد علیه قوله تعالى لحبیبع صلى الله علیه وسلم: * (إنک لا تهدی من أحببت) * وما یقال إنه على حد قوله تعالى: * (وما رمیت إذ رمیت ولکن الله رمى) * أو أن المعنى أنک لا تتمکن من إراءة الطریق لکل من أحببت بل إنما یمکنک إراءاته لمن أردنا لا یخلو عن تکلف، وأما الثالث فإن کلام أهل اللغة لا یساعده بل ینادی بما ینافیه وع ذلک فالقول بأن المتعدیة لا تسند إلا إلى الله تعالى منتقض بقوله تعالى حکایة عن إبراهیم علیه السلام: * (یا أبت إنی قد جاءنی من العلم ما لم یأتک فاتبعنی أهدک صراطا سویا) * وعن مؤمن آل فرعون * (یا قوم اتبعونی أهدکم سبیل الرشاد) * ولهذا الخلل قال طائفة بالاشتراک والبحث لغوی لا دخل للاعتزال فیه وسیأتی إن شاء الله تعالى تتمته * (والصراط) * الطریق وأصله بالسین من السرط وهو اللقم ولذلک یسمى لقما کأن سالکه یبتلعه أو یبتلع سالکه ففی الأزهری أکلته المفازة إذا نهکته لسیره فیها وأکل المفازة إذا قطعها بسهولة قال أبو تمام: رعته الفیافی بعد ما کان حقبة * رعاها وماء المزن ینهل ساکبه وبالسین على الأصل قرأ ابن کثیر بروایة قنبل ورویس اللؤلؤی عن یعقوب وقرأ الجمهور بالصاد وهی لغة قریش وقرأ حمزة باشمام الصاد زایا والزای الخالصة لغة لعذرة وکعب والصاد عندی أفصح وأوسع وأهل الحجاز یؤنثون الصراط کالطریق والسبیل والزقاق والسوق وبنو تمیم یذکرون هذا کله وتذکیره هو الأکثر ویجمع فی الکثرة على صرط ککتاب وکتب وفی القلة قیاسه أصرطة هذا إذا کان الصراط مذکرا وأما إذا أنث فقیاسه أفعل نحو ذراع وأذرع و * (المستقیم) * المستوى الذی لا اعوجاج فیه واختلف فی المراد منه فقیل الطریق الحق. وقیل ملة الإسلام. وقیل القرآن وردهما الرازی قدس سره بأن قوله تعالى: * (صراط الذین أنعمت علیم) * یدل على الصراط المستقیم وهم المتقدمون من الأمم وما کان لهم القرآن والإسلام وفیه ما لا یخفى والعجب کل العجب من هذا المولى أنه ذکر فی أحد الوجوه المرضیة عنده أن الصراط المستقیم هو الوسط بین طرفی الإفراط والتفریط فی کل الأخلاق وفی کل الأعمال وأکد ذلک بقوله تعالى: * (وکذلک جعلناکم أمة وسطا) * فیالیت شعری ماذا یقول لو قیل له لم یکن هذا للمتقدیمن من الأمم وتلونا علیه الآیة التی ذکرها وسبحان من لا یرد علیه وقیل المراد به معرفة ما فی کل شیء من کیفیة دلالته على الذات والصفات وقیل المراد منه صراط الأولین فی تحمل المشاق العظیمة لأجل مرضاة الله تعالى وقیل العبادة لقوله تعالى: * (وأن اعبدونی هذا صراط مستقیم) * والقرآن یفسر بعضه بعضا وفیه نظر، وقیل هو الإعراض عن السوی والإقبال بالکلیة على المولى وقال الشیخ الأکبر قدس سره: هو ثبوت التوحید فی الجمع والتفرقة ولهم أقوال غیر ذلک قریبة وبعیدة، وعندی بعد الاطلاع على ما للعلماء وکل حزب بما لدیهم فرحون أن الصراط المستقیم بتنوع إلى عام للناس وخاص بخواصهم والکل منهما صراط المنعم علیهم على اختلاف درجاتهم فالأول جسر بین العبد وبین الله
|