|
اسم الکتاب: المعجم في فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته - المجلد ۱
المؤلف: قسم القرآن بمجمع البحوث الاسلامیة
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۲٣
لیعصیه أو لیطیعه، أو لیشدّه بالحبل، و إنّما السّیّد للعبد، و على هذا جرت اللّغة الفصیحة. فانعدام دلالة العصیان من الحرّ تلغی وصف استخفائه و فراره- إن حصلا- بالإباق. کما أنّه فرار لیس فیه إثم یحتسب علیه، و إنّما الإثم یختصّ بالعبد.
الاستعمال القرآنیّ
1- فسّر الآیة کثیر من المفسّرین بالمعنى اللّغویّ لهذه المادّة؛ و قالوا: بأنّ یونس علیه السّلام هرب من مولاه، و لیس له مولى سوى اللّه تعالى، فخرج إلى السّفینة من دون إذنه تعالى، فأصبح آبقا مجازا؛ تشبیها بإباق العبد من سیّده. و استبعد هذا المعنى آخرون، و قالوا بأنّه فرّ من قومه إلى السّفینة، أو استخفى منهم ثمّ هرب إلى السّفینة حذرا من وقوع العذاب علیه.
و القول الأوّل أرجح؛ لأنّه یوافق اللّغة و القرآن أیضا، بدلیل قوله تعالى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَیْهِ ... الأنبیاء: 87؛ إذ فیه نوع من الحرکة و الشّدّة و الإصرار على الهرب. و کأنّه تشدّد فی أمره فقفز إلى الفلک المشحون لا الخالی، ثمّ یثقل الفلک و یتمّ الاستسهام، فیرمى فی البحر، و حدث له ما حدث إخطارا بأنّه لا مهرب منه تعالى إلّا إلیه. و فیه أیضا تشبیه لحال یونس النّفسیّة بحال العبد الآبق، و ما یعتریه من خوف و ذعر؛ لا یدری من أین الممرّ، و إلى أین المفرّ؟
2- و لم یستعمل من هذه المادّة فی القرآن إلّا لفظ واحد فی سورة مکّیّة، على الرّغم من شیوعها فی اللّغة، و لم تکن هناک ضرورة لورود هذا اللّفظ کما فی (ابّا).
و لا نعلم له وجها سوى الإشعار بأنّ هذا النّوع من الفرار لم یصدر عن الأنبیاء إلّا مرّة واحدة، و الحال أنّه یصدر من غیرهم بما لا یعدّ و لا یحصى، و اللّه أعلم بسرّ کتابه.
|