۲٠۲٣/٠٦/۱٦ ۲۱:٣۹:۲٦
قصة النبي موسى (ع) (4)


أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله!

من هنا تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ موسى (ع) وفرعون. المرحلة التي نقصدها هنا تتمثل بقصة (مؤمن آل فرعون) الذي كان من المقربين إلى فرعون، لكنه اتنق دعوة موسى التوحيدية من دون أن يفصح عن إيمانه الجديد هذا، وإنّما تكتم عليه واعتبر نفسه من موقعه في بلاط فرعون -مكلفاً بحماية موسى (ع) من أي خطر يمكن أن يتهدد من فرعون أو من جلاوزته.

 فعندما شاهد أنّ حياة موسى في خطر بسبب غضب فرعون، بادر بأسلوبه المؤثر للقضاء على هذا المخطط. يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾(95). أتقتلوه في حين أنّه: ﴿وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾.

 هل فيكم من يستطيع أن ينكر معاجره، مثل معجزة العصا واليد البيضاء؟ ألم تشاهدوا بأعينكم اتصاره على السحرة، بحيث أن جميعهم استسلموا له وأذعنوا لعقيدته عن قناعة تامة، ولم يرضخوا لا لتهديدات فرعون ووعيده، ولا لإغراءاته وأمنياته، بل استرخصوا الأرواح في سبيل الحق؛ في سبيل دعوة موسى، وإله موسى .. هل يمكن أن نسمّي مثل هذا الشخص بالساحر؟

 فكروا جيداً، لا تقوموا بعملٍ عجول، تحسّبوا لعواقب الأُمور وإلّا فالندم حليفكم .. ثم إنّ للقضية بعد ذلك جانبين: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾.

 إنّ حبل الكذب قصير -كما يقولون- وسينفضح أمره في النهاية إذا كان كاذباً، وينال جزاء الكاذبين، وإذا كان صادقاً ومأمُوراً من قبل السماء فإنّ توعده لكم بالعذاب حاصل شئتم أم أبيتم، لذا فإنّ قتله في كلا الحالين أمر بعيد عن المنطق والصواب.

 ثم أضاف: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾.

 فإذا كان موسى سائراً في طريق الكذب والتجاوز فسوف لن تشمله الهداية الإلهية، وإذا كنتم أنتم كذلك فستحرمون من هدايته.

 ولم يكتف (مؤمن آل فرعون) بهذا القدر، وإنّما استمرّ يحاول معهم بلينٍ وحكمة، حيث قال لهم كما يحكي ذلك القرآن من أنّه قال لهم أن بيدكم حكومة مصر الواسعة مع خيراتها ونعيمها فلا تكقروا بهذه النعم فيصيبكم العذاب الالهي. ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا﴾(96).

 ويظهر أنّ هذا الكلام أثر في حاشية فرعون وبطانته، فقلّل من غضبهم وغيظهم، لكن فرعون لم يسكت ولم يقتنع، فقطع الكلام بالقول: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ وهو إنِي أرى من المصلحة قتل موسى ولا حلّ لهذه المشكلة سوى هذا الحل.

 ثمّ إنني: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.

 التحذير من العاقبة!

كان الشعب المصري آنذاك يمتاز نسبياً بمواصفات التمدّن والثقافة، وقد اطّلع على أقوال المؤرخين بشأن الأقوام السابقة، أمثال قوم نوح وعاد وثمود الذين لم تكن أرضهم تبعد عنهم كثيراً، وكانوا على علم بما آل إليه مصيرهم.

 لذلك كلّه فكّر مؤمن آل فرعون بتوجيه أنظار هؤلاء إلى أحداث التأريخ وأخذ يحذرهم من تكرار العواقب الأليمة التي نزلت بغيرهم، عساهم أن يتيقظوا ويتجنّبوا قتل موسى (ع) يقول القرآن الكريم حكاية على لسانه: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾(97).

 ثم أوضح مراده من هذا الكلام بأنني خائف عليكم عن العادات والتقاليد السيئة التي كانت متفشّية في الأقوام السالفة. ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾(98).

 لقد نالت هذه الأقوام جزاء ما كانت عليه من الكفر والطغيان، إذ قتل من قتل منهم بالطوفان العظيم، وأصيب آخرون منهم بالريح الشديدة، وبعضهم بالصواعق المحرقة، ومجموعة من الزلازل المخرّبة.

 واليوم يخاطبهم مؤمن آل فرعون: ألا تخشون أن تصيبكم إحدى هذه البلايا العظيمة بسبب إصراركم على الكفر والطغيان؟ هل عندكم ضمان بأنّكم لستم مثل أولئك؛ أو أن العقوبات الإلهية لا تشملكم؛ ترى ماذا عمل أُولئك حتى أصابهم ما أصابهم، لقد اعترضوا على دعوة الأنبياء الإلهيين، وفي بعض الأحيان عمدوا إلى قتلهم .. لذلك كلّه فإني أخاف علكم مثل هذا المصير المؤلم!؟

 ولكن ينبغي أن تعلموا أنّ ما سيصيبكم ويقع بساحتكم هو من عند أنفسكم وبما جنت أيديكم: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾.

 لقد خلق الله الناس بفضله وكرمه، ووهبهم من نعمه ظاهرة وباطنة، وأرسل أنبياءه لهدايتهم، ولصدّ طغيان العتاة عنهم، لذلك فإنّ طغيان العباد وصدّهم عن السبيل فيما ينزل بهم من العذاب الأليم.

 ثم أضاف: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾(99) أي يوم تطلبون العون من بعضكم البعض، إلّا أصواتكم لا تصل إلى أي مكان.

 وفي كلّ الأحوال، لقد قام مؤمن آل فرعون بعمله من خلال الوسائل التي وقفنا عليها آنفاً، فانتهى إلى أجهاض مخطط فرعون في قتل موسى (ع)، أو على الأقل وفّر الوقت الكافي في تأخير تنفيذ هذا المخطط إلى أن استطاع موسى (ع) أن يفلت من الخطر.

 لقد كانت هذه مهمّة عظيمة أنجزها هذا الرجل المؤمن الشجاع، الذي انصب جهده في هذه المرحلة الخطيرة من الدعوة الموسوية على إنقاذ حياة كليم الله (ع): وكما سيتضح لاحقاً من احتمال أن هذا الرجل ضحى بحياته أيضاً في هذا السبيل.

 الكلام الأخير

في آخر مرحلة يزيل مؤمن آل فرعون الحجب والأستار عن هويته، إذ لم يستطع التكتم ممّا فعل، فقد قال كلّ ما هو ضروري، أمّا القوم من ملأ فرعون، فكان لهم -كما سنرى ذلك- قرارهم الخطير بشأنه!

 الله تبارك وتعالى لم يترك عبده المؤمن المجاهد وحيداً وإنّما: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾(100).

 إنّ التعبير بـ ﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ يفيد أنّهم وضعوا خططاً مختلفة ضدّه .. ترى ما هي هذه الخطط؟

 في الواقع، إنّ القرآن لم يذكرها بل تركها مجهولة، لكنّها -حتماً- لا تخرج عن ألوان العقاب والتعذيب ينزلونه بالرجل قبل أن يحل به القتل والإعدام، إلّا أنّ اللطف الإلهي أبطل مفعولها جميعاً وأنجاه منهم.

 تفيد بعض التفاسير أنّ مؤمن آل فرعون انتهز فرصة مناسبة فالتحق بموسى (ع)، وعبّر البحر مع بني إسرائيل. وقيل أيضاً: أنّهُ هرب إلى الجبل عندما صدر عليه قرار الموت، وبقي هناك مختفياً عن الأنظار.

 ومن الطبيعي أن لا يكون هناك تعارض بين الرأيين، إذ يمكن أن يكون قد هرب إلى الجبل أولاً، ثمّ التحق ببني إسرائيل.

 أريد أن أطلع إلى إله موسى!!

بالرغم من النجاح الذي أحرزه مؤمن آل فرعون في أثناء عزم فرعون على قتل الكليم (ع)، إلّا أنّه لم يستطع أن يثنيه عن غروره وتكبره وتعاليه إزاء الحق، لأنّ فرعون لم يكن ليملك مثل هذا الإستعداد أو اللياقة الكافية للهداية، لذلك نراه يواصل السير في نهجه الشرير، إذ يأمر وزيره هامان ببناء برج للصعود إلى السماء (!!) كي يجمع المعلومات عن إله موسى، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾(101). أي لعلي أحصل على وسائل وتجهيزات توصلني إلى السماوات.

 ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾(102).

 ولكن ماذا كانت النتيجة؟! ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾.

 إنّ أول ما يطالعنا هنا هو السؤال عن الهدف الذي كان فرعون يرغب بتحقيقه من خلال عمله هذا.

 هل كان فرعون بهذا المقدار من الغباء والحماقة والسذاجة بحيث يعتقد أن إله موسى موجود فعلاً في مكان ما من السماء؟ وإذا كان موجوداً في السماء، فهل يستطيع الوصول إليه بواسطة إقامة بناء مرتفع يعتبر ارتفاعه تافهاً إزاء جبال الكرة الأرضية؟

 إنّ هذا الاحتمال ضعيف للغاية، ذلك لأنّ فرعون بالرغم من غروره وتكبره، فقد كان يمتاز بالذكاء والقدرة السياسية التي أهّلته للسيطرة على شعب كبير لسنين مديدة من خلال أساليب القهر والقوة والخداع.

 لذلك كلّه نرى الموقف يدعونا إلى تحليل هذا التصرف الفرعوني لمعرفة دواعيه وأهدافه الشيطانية.

 فمن خلال عملية التأمّل والتمحيص، يمكن أن تنتهي إلى ثلاثة أهداف كانت تكمن وراء هذا التصرّف والأهداف هذه هي:

 أولاً: أراد فرعون أن يختلق وضعاً يعمد من خلاله إلى إلهاء الناس وصرف أذهانهم عن قضية نبوة موسى (ع) وثورة بني إسرائيل. وقضية بناء مثل هذا الصرح المرتفع يمكن أن تحوز على اهتمام الناس، وتهيمن على اهتماماتهم الفكرية، وبالتالي إلى صرفهم عن القضية الأساسية.

 إن فرعون خصص لبناء صرحه مساحة واسعة من الأراضي، ووظّف في إقامته خمسين ألفاً من العمال والبنائين المهرة، بالإضافة إلى من انشغل بتهيئة وسائل العمل والتمهيد لتنفيذ المشروع، وكلّما كان البناء يرتفع أكثر ازداد تأثيره في الناس، وأخذ يجلب إليه الإهتمام والأنزار أكثر، إذ أصبح الصرح حديث المجالس، والخبر الأوّل الذي يتناقله الناس، وفي مقابل ذلك يتناسون قضية انتصار موسى (ع) على السحرة -ولو مؤقتاً- خصوصاً مع الأخذ بنظر الإعتبار ذلك الإهتزاز العنيف الذي ألحق بجهاز فرعون وأساط الناس.

 ثانياً: استهدف فرعون من خلال تنفيذ مشروع الصرح اشتغال أكبر قطّاع من الناس، وعلى الأخص العاطلين منهم، لكي يجد هؤلاء في الشغل عزاءٌ -ولو مؤقتاً- عن مظالم فرعون وينسون جرائمه وظلمه. من ناحية ثانيه فإنّ اشتغال مثل هذا العدد الكثير يؤدي إلى ارتباطهم بخزانة فرعون وأمواله، وبالتالي ارتباطهم بنظامه وسياسته!

 ثالثاً: لقد كان من خطة فرعون بعد انتهاء بناء الصرح أن يصعد إلى أعلى نقطة فيه، ويرمق السماء ببصره، أو يرمي سهماً نحو السماء، ويرجع إلى الناس فيقول لهم: لقد انتهى كلّ شيء بالنسبة لإله موسى. والآن انصرفوا إلى أعمالكم براحة بال!!

 أما بالنسبة إلى فرعون نفسه، فقد كان يعلم أنّه حتى لو ارتقى الجبال الشامخات التي تتطاول في علوها على صرحه، فإنّه سوف لن يشاهد أي شيء آخر يفترق عمّا يشاهده وهو يقف على الأرض المستوية يتطلع نحو السماء!

 والطريف في الأمر أنّ فرعون بعد قوله: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ رجع خطوة إلى الوراء فنزل عن يقينه إلى الشك، حيث قال بعد ذلك: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ إذ استخدم تعبير (أظن)!

 هنا ناقش جماعة من المفسّرين(103) مسألة (الصرح)، وهل بنى فرعون (الصرح) حقّاً أم لا؟!

ويبدو أن الذي شغل فكر المفسّرين هو أن هذا العمل لم يكن متزّناً بأيّ وجه وأي حساب.

 ترى .. ألم يكن الناس قد صعدوا الجبال من قبل فرأوا منظر السماء كما هو على الأرض؟.

 وهل البرج الذي يبنيه البشر أكثر ارتفاعاً من الجبل؟.

 وأي أحمق يصدق أنّه يمكن الوصول إلى السماء بواسطة مثل هذا البرج؟!

 ولكن أُولئك الذين يفكرون مثل هذا التفكير غفلوا عن هذه المسألة، وهي أن مصر لم تكن أرضاً جبلية، وبعد هذا كلّه نسوا أنّ الطبقة العامّة لأهل مصر بسطاء بشتى الوسائل. حتى في عصرنا الذي يسمى عصر العلم وعصر النور، نجد مسائل تشبه ما وقع في العصور الماضية ينخجع بها الناس.

 خمسون ألف بنّاء يبنون البرج

وعلى كل حال، فطبقاً لما ورد في بعض التواريخ، فإنّ هامان أمر بأرض واسعه ليبنى عليها الصرح أو البرج، وهيّأ خمسين ألف رجل من العمال والمهندسين لهذا العمل المضني، وآلاف العمال لتهيئة الوسائل اللازمة لهذا البناء، وفتح أبواب الخزائن وصرف أموالاً طائلة في هذا السبيل، واشغل عمالاً كثيرين في هذا البناء .. حتى أنّه ما من مكان إلّا وتسمع فيه أصوات هذا البناء أو أصداؤه!.

 وكلما اعتلى البناء أكثر فأكثر كان الناس يأتون للافرج، وما عسى أن يفعل فرعون بهذا البناء وهذا البرج.

 صعد البناء إلى مرحلة بحيث أصبح مشرفاً على جميع الأطراف. وكتب بعضهم: إنّ المعمارين بنوا هذا البرج بناءً بحيث جعلوا حوله سلالم حلزونية يمكن لراكب الفرس أن يرتقي إلى أعلى البرج.

 قتلتُ إله موسى

ولمّا بلغ البناء تمامه ولم يستطع البناؤون أن يعلوه أكثر من ذلك .. جاء فرعون بنفسه يوماً وصعده بتشريفات خاصة .. فنظر إلى السماء فوجدها صافية كما كان ينظرها من الأرض لم تتغير ولم يطرأ عليها جديد.

 المعروف أنّه رمى سهماً إلى السماء، فرجع السهم مخضباً بالدم على أثر إصابته لأحد الطيور أو أنّها كانت خديعة من قبل فرعون من قبل .. فنزل فرعون من أعلى القصر وقال للناس: اذهبوا واطمأنوا فقد قتلت إله موسى.

 ومن المسلم به أن جماعة من البسطاء الذين يتبعون الحكومة اتباعاً أعمى وأصم، صدّقوا ما قاله فرعون ونشروه في كل مكان، وشغلوا الناس بهذا الخبر لإغفالهم عن الحقائق!.

 ونقلوا هذا الخبر أيضاً، وهو أنّ البناء لم يدم طويلاً (وطبعاً لا يدوم) أجل لقد تهدم البناء وقتل جماعة من الناس .. ونقلوا في هذا الصدد قصصاً أُخرى، وحيث أن لم تتّضح صحتها لنا فقد صرفنا عنها النظر.

 العقوبات التنبيهية

لقد كان القانون الإِلهي العام في دعوة الأنبياء هو أنّهم كلّما واجهوا معارضة كان الله تعالى يبتلي الأقوام المعاندين بأنواع المشاكل والبلايا، ويتوجهوا إلى المبدأ القادر مصدر جميع النعم.

 وفي القرآن الكريم إشارة إلى نفس هذا المطلب في قصّة فرعون، إذ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾(104).

 ومع أنّ القحط والجدب أصابا حاشية فرعون ومؤيديه أجمع، ولكن الخطاب موجه إلى خصوص أقربائه وخاصته، وهو إشارة إلى أن المهم هو أن يستيقظ هؤلاء، لأنّ بيدهم أزمة الناس .. أن يضلوا الناس، أو يهدونهم، ولهذا توجه الخطاب إليهم فقط، وإن كان البلاء قد أصاب الآخرين أيضاً.

 ويجب أن لا نستبعِد هذه النقطة، وهي أن الجدب كان يعدّ بلاءً عظيماً لمصر، لأنّ مصر كانت بلداً زراعياً، فكان الجدب مؤذياً لجميع الطبقات، ولكن من المسلّم أنّ آل فرعون -وهم الأصحاب الأصليين للأراضي الزراعية وإنتاجها- كانوا أكثر تضرراً بهذا البلاء. ثمّ إنّ الجدب استمر عدّة سنوات.

 ولكن بدل أن يستوعب (آل فرعون) هذه الدروس الإلهية، ويستيقظوا من غفلتهم غفوتهم العميقة، أساءوا استخدام هذا الظرف والحالة، وفسّروها حسب مزاجهم، فإذا كانت الأحوال مؤاتية ومطابقة لرغبتهم، وكانوا يعيشون في راحة واستقرار قالوا: إنّ الوضع الحسن هو بسبب جدارتنا، وصلاحنا ﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾(105).

 ولكن عندما تنزل بهم النوائب فإنّهم ينسبون ذلك إلى موسى (ع) وجماعته فوراً ويقولون هذا من شومهم: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾.

 لكن القرآن الكريم قال في معرض الردّ عليهم: اعلموا أنّ منشأ كل شؤم وبلاء أصابكم إنّما هو من قبل الله، وأنّ الله تعالى أراد أن تصيبكم نتيجة أعمالكم المشؤومة، ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.

 النّوائب المتنوعة

القرآن الكريم يشير إلى مرحلة أُخرى من الدروس المنبهة التي لقّنها الله لقوم فرعون، فعندما لم تنفع المرحلة الأُولى، يعني أخذهم بالجدب والسنين وما ترتب عليه من الأضرار المالية في إيقاظهم وتنبيههم، جاء دور المرحلة الثّانية وتمثلت في عقوبات أشدّ، فأنزل الله عليهم نوائب متتابعة مدمِرة، ولكنّهم -وللأسف- لم ينتبهوا مع ذلك.

 وفي البداية يقول القرآن الكريم من باب المقدمة لنزول النّوائب: إنّهم بقوا يلجّون في إنكار دعوة موسى: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾(106).

 إنّ التعبير بـ (الآية) لعلّه من باب الالإِستهزاء والسخرية، لأنّ موسى (ع) وصف معاجزه بأنها آيات الله، ولكنّهم كانوا يفسرونها بالسحر.

 إنّ الجهاز الإعلامي الفرعوني الذي كان -تبعاً لذلك العصر- أقوى جهاز إعلامي، وكان النظام الحاكم في مصر يستخدمه كامل الإِستخدام .. إنّ هذا الجهاز الإِعلامي قد عبّأ قواه في توكيد تهمة السحر في كل مكان، وجعلها شعاراً عاماً ضد موسى (ع) لأنّه لم يكن هناك تهمة منها أنسب بالنسبة إلى معجزات موسى (ع) للحيلولة دون إنتشار الدعوة الموسوية ونفوذها المتزايد في الأوساط المصرية.

 ولكن حيث أن الله سبحانه لا يعاقب أُمّة أو قوماً دوم أن يتمّ عليهم الحجّة قال في لآية اللاحقة: نحن أنزلنا عليهم بلايا كثيرة ومتعددة لعلهم يتنبهون .. فقال أولاً: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾(107).

 ثمّ سلط الجراد على زروعهم وأشجارهم ﴿وَالْجَرَادَ.

 إنّ هجوم أسراب الجراد كان عظيماً جدّاً إلى درجة أنّها وقعت في أشجارهم وزروعهم أكلاً وقضماً وإتلافاً، حتى أنّها أفزعتها من جميع الغصون والأوراق، وحتى أنّها أخذت تؤذي أبدانهم، بحيث تعالت صيحاتهم واستغاثاتهم.

 وكلّما كان يُصيبهم بلاء كانوا يلجأون إلى موسى (ع) ويسألونه أن يطلب من الله أن يرفع عنهم ذلك البلاء ولكنّهم مع ذلك لم يكفّوا عن لجاجهم وتعنتهم.

 وفي المرّة الثّالثة سلط عليهم القمل ﴿وَالْقُمَّلَ﴾. والظاهر أنّه نوع من الآفات الزراعية التي تصيب الغلات، وتفسدها وتتلفها.

 وعندما خفت أمواج هذا البلاء، واستمرّوا في عنادهم سلط الله عليهم في المرحلة الرّابعة، الضفادع، فقد تزايد نسل الضفادع تزايداً شديداً حتى أنّه تحول إلى بلاء عظيم عكّر عليهم صفو حياتهم: ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾.

 ففي كل مكان كانت الضفادع الصغيرة والكبيرة تزاحمهم، حتى في البيوت والغرف والموائد وأواني الطعام، بحيث ضاقت عليهم الحياة بما رحبت، ولكنّهم مع ذلك لم يخضعوا للحق، ولم يسلّموا.

 وفي هذا الوقت بالذات سلّط الله عليهم ﴿وَالدَّمَ﴾.

 قال البعض: إنّ داء الرعاف (وهو نزيف الدم من الأنف) شاع بينهم كداء عام، وأُصيب الجميع بذلك. ولكن أكثر الرّواة والمفسّرين ذهبوا إلى أن نهر النيل العظيم تغير وصار لونه كلون الدم، بحيث صار تعافه الطباع، ولم يعد قابلاً للإِنتفاع.

 وقال تعالى في ختام ذلك: إنّ هذه الآيات والمعاجز الباهرة -رغم أنّها أظهرت لهم حقانية موسى- ولكنّهم استكبروا عن قبول الحق وكانوا مجرمين. ﴿آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾.

 وفي بعض الرّوايات نقرأ أن كل واحدة من هذه البلايا كانت تقع في سنة واحدة، يعني أنّه أصابهم الطوفان في سنة، والجراد في سنة أُخرى، والآفات الزراعية في سنة ثالثة، وهكذا. ولكن نقرأ في بعض الرّوايات أنّه كان يفصل بين كل بلاء وآخر شهر واحد لا أكثر وعلى أي حال، لا شك أنّها كانت تقع بصورة منفصلة، وفي فواصل زمنيّة مختلفة كي تكون هناك فرصة للتفكر والتنبه واليقظة.

 هذا والجدير بالإِنتباه أن هذه البلايا كانت تصيب آل فرعون وقومه خاصّة، وكان بنو إسرائيل في معزل عن ذلك، ولا شك أنّ هذا نوع من الإِعجاز، ولكن يمكن أن نبرر قسماً من ذلك بتبرير علمي معقول، لأنّنا نعلم أنّ هذا نوع من الإِعجاز، ولكن يمكن أن نبرر قسماً من ذلك بتبرير علمي معقول، لأنّنا نعلم أنّ أجمل نقطة في بلد مثل مصر هي شاطئا النيل وضفتاه، وكانت هذه الشواطئ والضفاف برمتها تحت تصرف الفرعونيين والقبطيين هي النقاط النائية والصحاري البعيدة الشحيحة الماء.

 ومن الطبيعي أنّ الطوفان عندما يحدث يكون الأقرب إلى الخطر ضفتا النيل وشاطئاه ومن يسكنها، وكذا عندما كانت الضفادع تخرج من الماء، وكذا انقلاب الماء إلى هيئة الدم كان يظهر في مياه الفرعونيين الذين كانوا يسكنون إلى جانب النيل دون بني إسرائيل، وأمّا الجراد والآفات النباتية فقد كانت تتعرض لها المناطق الزراعية والبساتين الخضراء الوفيرى المحصول في الدرجة الأُولى.

 كل ما قيل في الآيات السابقة جاء في التوراة أيضاً، ولكن ثمّة فروق واضحة بين محتويات القرآن الكريم(108).

 

نقض العهد المتكرر

القرآن الكريم نلاحظ رد فعل الفرعونيين في مقابل النوائب والبلايا المنبّهة الإِلهيّة، إنّهم عندما كانوا يقعون في مخالب البلاء ينتبهون من غفوتهم بصورة مؤقتة شأنهم شأن جميع العصاة، وكانوا يبحثون عن حيلة للتخلص منها، ويطلبون من موسى (ع) أن يدعو لهم، ويسأل لله في خلاصهم، ولكن بمجرّد أن يزول عنهم طوفان البلاء وتهدأ أمواج الحوادث، ينسون كل شيء ويعودون إلى سيرتهم الأُولى.

 

وفي البداية نقرأ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾(109).

 

إنّهم عند نزول البلاء يلجأون إلى موسى ويطبون منه أن يدعو لرفع العذاب عنهم، وأن يفي الله بما وعده له من استجابة دعائه.

 

ثمّ يقولون: إذا دعوتَ فرفع عنّا البلاء فإنّنا نحلف لك بأن نؤمن بك، ونرفع طوق العبودية عن بني إسرائيل: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ﴾.

 

ويشير إلى نقضهم للعهد ويقول: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾(110).

 

إنّ موسى حدّد لهم وقتاً وعيّن أمداً، فكان يقول لهم: في الوقت الفلاني سيرفع هذا البلاء عنكم، حتى يتّضح لهم أنّ إرتفاع ذلك البلاء عنهم ليس أمراً اتفاقياً وصدفة، بل هو بفضل دعائه وطلبه من الله تعالى.

 

إذا كان نبياً فلم لا يملك أسورة من ذهب؟

لقد ترك منطق موسى (ع) من جهة، ومعجزاته المختلفة من جهة أُخرى، والإِبتلاءات والمصائب التي نزلت على رؤوس أهل مصر والتي رفعت ببركة دعاء موسى (ع) من جهة ثالثة، أثراً عميقاً في ذلك المحيط، وزعزعت أفكار الناس واعتقادهم بفرعون، ووضعت كل نظامهم الإِجتماعي والديني موضع سؤال واستفسار.

 

هنا أراد فرعون بسفسطته ومغالطته أن يمنع نفوذ موسى (ع) عن التأثير في أفطار شعب مصر، فالتجأ إلى القيم الواهية المنحطة التي كانت حاكمة في ذلك المحيط، وقارن بينه وبين موسى (ع) من خلال هذه القيم ليبدو متفوقاً على موسى، كما يذكر ذلك القرآن الكريم حيث يقول: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾(111).

 

أمّا موسى فماذا يملك؟ لا شيء سوى عصا ولباس صوف! فلمن الشأن الرفيع والمكانة لسامية، له أم لي؟ أهو يقول الحق أم أنا؟ افتحوا عيونكم جيداً وتأمّلوا دقيقاً في المسألة.

 

وبهذا فقد عظم فرعون القيم المبتدعة السيئة، وجعل المال والمقام والجاه هي معايير الإنسانية، كما هو الحال بالنسبة إلى عبدة الأصنام في عصر الجاهلية في موقفهم أمام نبيّ الإِسلام (ص).

 

التعبير بـ (نادى) يوحي بأن فرعون عقد مجلساً عظيماً لخبراء البلد ومستشاريه، وخاطبهم جميعاً بصوت عال فقال ما قال، أو أنّه أمر أن يوزع نداؤه كرسالة في جميع أنحاء البلاد.

 

ثمّ يضيف: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾(112) وبهذا يكون قد خص نفسه بافتخارين عظيمين -حكومة مصر، وملك النيل- وذكر لموسى نقطتي ضعف: الفقر ولكنة اللسان.

 

هذا في الوقت الذي لم يكن بموسى أية لكنة في اللسان، لأنّ الله تعالى قد استجاب دعاءه، ورفع عنه عقدة لسانه، لأنّه سأل ربّه عند البعثة أن: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾(113)، ومن المسلّم أن دعاءه قد استجيب، والقرآن شاهد على ذلك أيضاً.

 

ليس عيباً عدم امتلاك الثروة الكثيرة، والألبسة الفاخرة، والقصورة المزينة، والتي تحصل عادة عن طريق ظلم المحرومين والجور عليهم، بل هو فخر وكرامة وسمو.

 

إنّ التعبير بـ (مهين) لعله إشارة إلى الطبقات الإِجتماعيّة في ذلك الزمان، حيث كانوا يظنون أن الأشراف الأقوياء والأثرياء طبقة متعالية، والكادحين الفقراء طبقة واطئة، أو أنّه إشارة إلى أصل موسى حيث كان من بني إسرائيل، وكان الأقباط يرون أنهم ساداتهم وكبراؤهم.

 

ثمّ تشبث فرعون بذريعتين أخريين، فقال: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾(114) فلو أنّ الله قد جعله رسوله فلماذا لم يعطه أساور من ذهب، ومعاونين له كباقي الرسل؟

 

يقولون: إنّ الفراعنة كانوا يعتقدون أنّ الرؤساء يجب أن يزينوا أنفسهم بالأساور والقلائد لذهبيّة، ولذلك فإنّهم يتعجبون من موسى إذ لم يكن معه مثل آلات الزينة هذه، بل كان قد لبس بدل ذلك ملابس الرعي الصوفية، وهذا هو حال المجتمع الذي يكون معيار نقييم الشخصية في نظره الذهب والفضة وأدوات الزينة.

 

موسى وهارون ولباس الصوف

ورد عن أمير المؤمنين (ع) بيان معبر وبليغ هنالك حيث يقول: ".. ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون (ع) على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصي فشرطا له إنْ أسلم بقاء ملكه ودوام عزّه فقال: ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل، فهلّا أُلقي عليهما أساورة من ذهب، إعظاماً للذهب وجمعه، واحتقاراً للصوف ولبسه".

 

والحجّة الثانية هي تلك الحجّة المعروفة التي كانت تطرحها كثير من الأُمم الضالة العاصية في مواجهة الأنبياء، فكانوا يقولون أحياناً: لماذا أرسل الله بشراً وليس ملكاً؟ وأحياناً أُخرى: إذا كان إنساناً فلماذا لم يأت معه ملك؟

 

في حين أنّ الرسل المبعوثين إلى البشر يجب أن يكونوا من جنسهم ليلمسوا حاجاتهم، ويحسوا بمشاكلهم ومسائلهم ويجيبوهم، وليقدروا على أن يكونوا من الناحية العلمية قدوة وأسوة لهم.

 

المرحلة الرّابعة مرحلة البناء من أجل الثّورة

رأينا كيف أنّ موسى خرج منتصراً من تلك المواجهة. رغم عدم إيمان فرعون وقومه إلّا أن هذه القضية كان لها عدة آثار مهمّة، يعدُّ كلٌ منهما انتصاراً مهمّاً:

 

1- بنو إسرائيل بنبيّهم موسى (ع) والتفّوا حوله بقلوب موحّدة .. لأنّهم بعد سنوات طوال من القهر والتعسف والجور يرون نبيّاً سماوياً في أوساطهم يضمن هدايتهم وعلى استعداد لأن يقود ثورتهم نحو الحرية وتحقيق النصر على فرعون.

 

2- شقّ موسى (ع) طريقه وسط أهل مصر من الأقباط وغيرهم .. ومال إليه جمع منهم، أو على الأقل خافوا من مخالفته، وطافت أصداء دعوة موسى في أرجاء نصر جمعاءّ!

 

3- همّ من كل ذلك أنّ فرعون لم ير في نفسه القدرة -لا من جهة أفكار عامّة الناس، ولا من جهة الخوف على مقامه- على مواجهة رجل له عَصَا كهذه العصا، ولسان مؤثر كلسان موسى.

 

هذه الأُمور هيأت أرضية ملائمة لأن ينشر موسى (ع) دعوته بين الناس، ويتمّ الحجة عليهم!

 

وهنا يبيّن القرآن الكريم مرحلة أُخرى من نهضة وثورة بني إِسرائيل ضد الفراعنة. فيقول أولاً: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾(115) فالأمر الالهي يقرر اختيار البيوت لبني اسرائيل بمصر وتم تكون هذه البيوت متقاربة ومتقابلة.

 

ثمّ تطرقت إلى مسألة تربية النفس معنوياً وروحياً، فقالت: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ ومن أجل أن تطرد آثار الخوف والرعب من قلوب هؤلاء وتعيد وتزيد من قدرتهم المعنوية والثّورية قالت: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

 

يستفاد من مجموع هذه الآية أنّ بني إِسرائيل كانوا في تلك الفترة بصورة جماعة متشتتة مهزومة ومتطفلة وملوّثة وخائفة، فلا مأوى لهم ولا اجتماع مركزي، ولا برنامجاً معنوياً بنّاء، ولا يمتلكون الشجاعة والجرأة اللازمة للقيام بثورة حقيقية.

 

لذلك فإِنّ موسى وأخاه هارون قد تلقوا مهمّة وضع برنامج في عدّة نقاط من أجل تطهير مجتمع بني إِسرائيل، وخاصّة في الجانب الروحي:

 

1- الإِهتمام أوّلاً بمسألة بناء المساكن، وعزل مساكنهم عن الفراعنة، وكان لهذا العمل عدّى فوائد:

 

إِحداها: أنّهم بتملّكهم المساكن في بلاد مصر سيشعرون برابطة أقوى تدفعهم للدفاع عن أنفسهم وعن ذلك الماء والتراب.

والأُخرى: أنّهم سينتقلون من الحياة الطفيلية في بيوت الأقباط إلى حياة مستقلة.

والثّالثة: أنّ أسرار أعمالهم وخططهم سوف لا تقع في أيدي الأعداء.

 

2- أن يبنوا بيوتهم متقاربة ويقابل بعضها الآخر، لأنّ القبلة في الأصل بمعنى حالة التقابل، وإطلاق كلمة القبلة على ما هو معروف اليوم إنّما هو معنىً ثانوي لهذه الكلمة.

 

وأدّى هذا العمل إلى تجمع وتمركز بني إِسرائيل بشكل فاعل، واستطاعوا بذلك وضع لمسائل الإِجتماعية بعامّة قيد البحث والتحقيق، وأن يجتمعوا مع بعضهم لأداء المراسم الدينية والشعائر المذهبية، وأن يرسموا الخطط اللازمة من أجل حريتهم.

 

3- التوجه إلى العبادة، وخاصّة الصلاة التي تحرر الإِنسان من عبودية العباد، وتربطه بخالق كل القوى والقدرات، وتغسل قلبه وروحه من لوث الذنوب، وتحيي فيه الشعور بالإِعتماد على النفس وعلى قدرة الله حيث ستدب وتنبعث روح جديدة في الإِنسان.

 

4- إنّ هذه المهمّة وجهت الأمر لموسى -باعتباره قائداً- بأن يطهّر روح بني إِسرائيل من اشكار الخوف والرعب التي كانت من افرازات سنين العبودية والذلة الطويلة. وأن يربي وينمي فيهم الإِرادة والشهامة والشجاعة وذلك عن طريق بشارة المؤمنين بالفتح والنصر النهائي، ولطف الله ورحمته.

 

فأخرجناهم من جنّات وعيون وكنوزٍ ومقامٍ كريم

ولمّا أتمّ موسى على أهل مصر الحجة البالغة، وامتازت صفوف المؤمنين من صفوف المنكرين، نزل الوحيُ على موسى أن يخرج بقومه من مصر، والقرآن يجسد هذا المشهد فيقول أوّلاً: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾(116).

 

وفعلاً امتثل موسى (ع) هذا الأمر، وعبأ بني إسرائيل بعيداً عن أعين أعدائهم، وأمرهم بالتحرك، واختار الليل خاصّة لتنفيذ أمر الله لتكون خطته نافذة.

 

إلّا أن من البديهي أن حركة جماعة بهذا الشكل ليس هيناً يسيراً يمكن إخفاؤه لزمان طويل، فما كان أسرع أن رفع جواسيس فرعون هذا الخبر إليه، وكما يحدثنا القرآن عن ذلك أن فرعون أرسل رسله وأهوانه إلى المدن لجمع القوات: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾(117).

 

بالطبع فإنّ في تلك الظروف، وصول إبلاغ فرعون إلى المدائن، وجميع مناطق مصر، يحتاج إلى زمان معتنى به لكن من الطبيعي أن يصل هذا البلاغ المدن القريبة بسرعة وتتحرك القوى المعدّة فوراً، وتؤدي مقدمة الجيش مهمّتها، وتتبعها بقية الأفواج بالتدريج.

 

ولعبئة الناس -ضمناً- وتهيئة الأرضية لإثارتهم ضد موسى وقومه، أمر فرعون أن يُعلَن ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾(118).

فبناء على ذلك فنحن منتصرون عند مواجهتنا لهذه الفئة القليلة حتماً.

 

إنّ هؤلاء (أي موسى وقومه) بالإضافة إلى أنّهم قليلون فهم متفرقون، فكأن فرعون، بهذا التعبير أراد أن يجسم عدم انسجام بني إسرائيل من حيث أعداد الجيش فيهم.

 

أضاف ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾(119) فمن يسقي مزارعنا غداً، ومن يبنى لنا القصور؟ ومن يخدم في البيوت والقصور غيرهم؟!

 

ثمّ إنّا من مؤامرتهم يجب أن نكون على حذر سواء أقاموا أم رحلوا: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾(120) ومستعدون جميعاً لمواجهتهم.

 

ثمّ يذكر القرآن النتيجة الإجمالية لعاقبة فرعون وقومه وزوال حكومته، وقيام حكومة بني إسرائيل، فيقول: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ / وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾(121) .. أجل ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾(122)(123).

 

عاقبة فرعون وأتباعه الوخيمة

القرآن الكريم يبرز المشهد الأخير من قصّة موسى وفرعون، وهو كيفية هلاك فرعون وقومه، ونجاة بني إسرائيل وانتصارهم!

 

وكما قرأنا سابقاً فإنّ فرعون أرسل المدائن حاشرين، وهيأَ مقداراً كافياً من (القوّة) والجيش، قال البعض: كان ما أرسله فرعون على أنّه مقدمة الجيش ستمائة ألف مقاتل، وتبعهم نفسه بمليون.

 

تحركوا في جوف الليل ليدركوهمم بسرعة، فبلغوهم صباحاً: ﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾(124).

 

فأمامنا بحر خضم متلاطم بالأمواج، ومن ورائنا بحر من الجيوش المتعطشة للدماء بتجهيزاتها الكاملة .. هؤلاء غاضبون علينا وهم الذين قتلوا أطفالنا الأبرياء سنين طوالاً .. وفرعون نفسه رجل دموي جبار .. فعلى هذا سيحاصروننا بسرعة، ويقتلوننا جميعاً بحدّ السيوف، أو سيأسروننا ويعذبوننا، والقرائن جميعها تدل على ذلك.

 

اضرب بعصاك البحر

وهنا مرّت لحظات عسيرة على بني إسرائيل .. لحظات مُرّة لا يمكن وصف مرارتها .. وعل جماعة منهم تزلزل إيمانهم وفقدوا معنوياتهم وروحياتهم.

 

إلّا أنّ موسى (ع) كان مطمئناً هادئ البال، وكان يعرف أن وعد الله في هلاك فرعون وقومه ونجاة بني إسرائيل لا يتخلف أبداً ولن يخلف الله وعده رسله! .. لذلك التفت إلى بني إسرائيل الفزعين بكامل الإطمئنان والثقة و﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾(125).

 

وفي هذه الحال التي قد يكون البعض سمعوا كلامه دون أن يصدقون، وكانوا ينتظرون آخر لحظات حياتهم، صدر أمر الله كما يقول القرآن: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ..﴾(126).

 

تلك العصا التي هي في يوم آية إنذار، وفي يوم آخر آية رحمة ونجاة!

فامتثل موسى (ع) أمر ربه فضرب البحر، فإذا أمامه مشهد رائع عجيب، تهللت له أسارير وجوه بني إسرائيل، إذا انشقَّ البحر ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾!

 

وعلى كل حال، فإنّ الله الذي ينفذ أمره في كل شيء، وبأمره تموج البحار وتتصرف الرياح وتتحرك العواصف وكل شيء في عالم الوجود من رشحات فضله وقدرته أصدر أمره إلى البحر، وأمواجه، فالتحمت الأمواج وتراكمت بعضها إلى بعض، وظهرت ما بينها طُرُق سالكة، فمرّتْ كل فرقة من بني إسرائيل في إحدى الطرق!

 

إلّا أنّ فرعون وأتباعه بالرغم من مشاهدتهم هذه المعجزة الكبرى الواضحة لم يذعنوا للحق، ولم ينزلوا عن مَركبِ غرورهم، فاتبعو موسى ورهطه ليبلغوا مصيرهم المحتوم، كما يقول القرآن في هذا الشأن: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾(127).

 

وهكذا ورج فرعون وقومه البحر أيضاً، واتبعوا عبيدهم القدماء الذين استرقّوهم بطغيانهم، وهم غافلون عن أن لحظات عمرهم تقترب من النهاية، وأن عذاب الله سينزلفيهم!

 

ويقول القرآن الكريم: ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾(128).

وحين خرج آخر من كان من بني إسرائيل من البحر، ودخل آخر من كان من أتباع فرعون البحر، صدر أمر الله فعادت الأمواج إلى حالتها الأُولى فانهالت عليهم فجأةً، فهلك فرعون وقومه في البحر، وصار كل منهم كالقشّة في وسط الأمواج المتلاطمة.

 

ويبيّن القرآن هذه الحالة بعبارة موجزة متينة فيقول: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾(129).

 

فاليوم ننجيك ببدنك

أصبح فرعون كالقشة تتقاذفه الأمواج وتلهو به، فعنذاك زالت حجب الغرور والجهل من أمام عينه، وسطع نور التوحيد الفطري وصدع بالإِيمان: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾(130) فلست مؤمناً بقلبي فقط، بل إِنّي من المسلمين عملياً: ﴿وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

 

ولما تحققت تنبؤات موسى (ع) الواحدة تلو الأُخرى وأدرك فرعون صدق هذا النّبي لكبير أكثر فأكثر وشاهد قدرته وقوته، اضطر إلى إِظهار الإِيمان على أمل أن ينقذه ربّ بني إِسرائيل كما أنجاهم من هذه الأمواج المتلاطمة ولذلك يقول: آمنت أنّه لا إِله إلّا الذي آمنت به بنو إِسرائيل!

 

إلّا أنّ من البديهي أنّ مثل هذا الإِيمان الذي يتجلّى عند نزول البلاء ونشوب أظفار الموت، إِيمان اضطراري يتشبث به كل جان ومجرب ومذنب وليست له أية قيمة، أو يكون دليلاً على حسن نيته أو صدق قوله، ولهذا فإِنّ الله سبحانه خاطبه فقال: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾(131).

 

لكن ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾(132) آية للحكام المستكبرين ولكل الظالمين والمفسدين، وآية للفئات المستضعفة.

 

هناك بحث في المراد من البدن هنا، فالكثير يرى بأنّ المراد هو جسد فرعون الذي فارقته الروح، لأنّ عظمة فرعون في أفكار الناس في ذلك المحيط بلغت حدّاً بحيث أنّ الكثير لو لا ذلك لم يكن يصدق أن فرعون يمكن أن يغرق، وكان من الممكن أن تنسج الأساطير والخرافات الكاذبة حول نجاة وحياة فرعون بعد هذه الحادثة، لذلك ألقى سبحانه جسده خارج الماء.

 

اللطيف هنا أنّ البدن في اللغة العربية يعني الجسد العظيم -وهذا يدلنا على أن فرعون كان عظيم الهيكل ممتلىء الجسم- كما هو الحال في الكثير من أهل الترف والرفاه الدنيوي!

 

إلّا أنّ البعض الآخر قالوا: إِنّ أحد معاني البدن هو الدرع، وهذه إِشارة إلى أن الله سبحانه قد أخرج فرعون من الماء بدرعه الذهبي الذي كان على بدنه ليعرف عن طريقه، ولا يبقى أي مجال للشك في أنّه فرعون.

 

ويوجد الآن في متاحف مصر وبريطانيا جثة أو جثتين من جثث الفراعنة التي بقيت محنّطة بالمومياء، فهل أنّ بدن فرعون المعاصر لموسى من بينها حيث حفظوه فيما بعد بالمومياء، أم لا؟

لا يمكننا اثبات ذلك.

 

معبر بني إسرائيل!

ورد التعبير في القرآن مراراً عن موسى أنه عبر بقومه (البحر)(133) كما جاء في بعض الآيات لفظ (اليمّ) بدلاً من البحر(134).

 

والآن ينبغي أن نعرف ما المراد من (البحر) و(اليم) هنا، أهو إشارة إلى البحر الأحمر (المعروف ببحر القلزم في بعض المصطلحات)؟

 

يستفاد من التوراة الحالية -وكذلك من كلمات بعض المفسّرين- أنه إشارة إلى البحر الأحمر .. إلّا أن القرائن الموجودة والمتوفرة تدل على أنّ المراد منه هو نهر النيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

95- سورة غافر / 28.

96- سورة غافر / 29.

97- سورة غافر / 30.

98- سورة غافر / 31.

99- سورة غافر / 32.

100- سورة غافر / 45.

101- سورة غافر / 36.

102- سورة غافر / 37.

103- كالفخر الرازي والآلوسي.

104- سورة الأعراف / 130.

105- سورة الأعراف / 131.

106- سورة الأعراف / 132.

107- سورة الأعراف / 133.

108- راجع سفر الخروج الفصل السابع إلى العاشر من التوراة.

109- سورة الأعراف / 134.

110- سورة الأعراف / 135.

111- سورة الزخرف / 51.

112- سورة الزخرف / 52.

113- سورة طه / 27.

114- سورة الزخرف / 53.

115- سورة يونس / 87.

116- سورة الشعراء / 52.

117- سورة الشعراء / 53.

118- سورة الشعراء / 54.

119- سورة الشعراء / 55.

120- سورة الشعراء / 56.

121- سورة الشعراء / 57-58.

122- سورة الشعراء / 59.

123- هَل حكمَ بنُو إسرائيلَ في مصر؟!

على أساس تعبير القرآن الكريم ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ .. فإنّ جمعاً من المفسّرين يعتقدون أن بني إسرائيل عادو إلى مصر وسيطروا على الحكم، ومكثوا في مصر حاكمين مدّة. وظاهر الآيات المتقدمة يناسب هذا التفسير.

في حين أن بعض المفسرين يعتقد أن بني إسرائيل تحركوا نحو بيت المقدس بعد هلاك فرعون وأتباعه، إلّا أنّهم بعد مدّة مديدة رجعوا إلى مصر وشكلوا فيها حكومتهم. وتتطابق فصول التوراة الحالية المتعلقة بهذا القسم مع التّفسير.

ويعتقد بعض آخر من المفسّرين أن بني إسرائيل صاروا جماعتين أو فئتين، فجماعة منهم بقيت في مصر وحكمت فيها، وتحركت جماعة منهم مع موسى نحو بيت المقدس.

وذكر احتمال آخر، وهو أن بني إسرائيل حكموا مصر بعد موسى (ع) وفي زمان النّبي سليمان بن داود، والآية ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ناظرة إلى هذا المعنى!

إلّا أنّه مع ملاخظة موسى (ع) نبي ثائر كبير، فمن البعيد جدّاً أن يترك هذه الأرض دوم أن يخطط لها خطة ويتجه نحو فلسطين وبيت المقدس والصحاري الشاسعة، ولا سيما أن بني إسرائيل قد سكنوا مصر لسنين طوال، وتعودوا على محيطها، فبناءً على هذا لا يخرج الأمر من أحد حالين .. إمّا أن نقول: إن بني إسرائيل عادوا جميعاً إلى مصر وحكموا فيها، أو أن نقول، إن قسماً منهم بقوا في أرض مصر بأمر موسى (ع) واستولوا على العرش وحكموا في مصر! .. وفي غير هاتين الحالين لا يتجلّى مفهوم لاخراج الفراعنة منها ووراثة بني اسرائيل لها. . .

124- سورة الشعراء / 61.

125- سورة الشعراء / 62.

126- سورة الشعراء / 63.

127- سورة الشعراء / 64.

128- سورة الشعراء / 65.

129- سورة الشعراء / 66.

130- سورة يونس / 90.

131- سورة يونس / 91.

132- سورة يونس / 92.

133- اقرأ سورة يونس / 90، وسورة طه / 77، وسورة الشعراء / 63.

134- اقرأ سورة طه / 78، وسورة القصص / 40، وسورة الذاريات / 40.