تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: المعجم في فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته - المجلد ۱    المؤلف: قسم القرآن بمجمع البحوث الاسلامیة    الجزء: ۱    الصفحة: ٤۸٤   

أب حنون، یرید أن یجزی موسى أجر ما سقاه لهما. فمشت هی، و مشى موسى خلفها، ناظرا بطرف خفیّ إلى قامتها- ذلک کلّه لفت انتباه الفتى و ألقى حبّها فی سویداء قلبه، و هو الآخر لا یشعر به أیضا، بل أحسّ فی نفسه رجاء بالمستقبل فقط. ثمّ قول البنت الّتی مشت لتدعو موسى لأبیها: یا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَیْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِیُّ الْأَمِینُ، فیه معنى لم تشعر به البنت و لا موسى، لأنّها کلمة خرجت من لسانها، منبعثة من ذلک الحبّ الخفیّ فی باطنها، دون أن تشعر و لا تشعر به أحدا، و قد أخذت فی قلب موسى مأخذها، دون أن یشعر هو أیضا بذلک، هذه هی حالة الفتى و الفتاة.
و أمّا شعیب النّبیّ الیقظ، فقد فطن هذا الحبّ المتبادل فی قلبی الفتاة و الفتى و قرأ ما فی ضمیرهما و کأنّه رآه رأی العین، و لکنّه لم یشعرهما بذلک، فبادر إلى موسى قائلا:
إِنِّی أُرِیدُ أَنْ أُنْکِحَکَ إِحْدَى ابْنَتَیَّ هاتَیْنِ، فلم یبد سرّهما، بل أبهم الکلام إبهاما، و یکمن فی هذا الإبهام- المتکرّر ثلاث مرّات: (احدیهما) مرّتین، و (احدى ابنتىّ هاتین) مرّة واحدة- لطف و بلاغة، لا یدرکهما إلّا الأدیب البارع، المضطلع بعلم النّفس، و الّذی ذاق فی حیاته طعم الحبّ العذریّ الصّادق النّزیه. و یتجلّى فی هذا السّیاق أوج الإعجاز البلاغیّ للقرآن، و تعکس الکلمات المتبادلة بین موسى و شعیب حول هذا الزّواج المبارک هذا الهوى العذریّ و الحبّ النّزیه، و اللّه هو العالم بسرّ کتابه.
ج- إلى ضمیر جمع المؤنّث الغائب مرّة واحدة:
وَ آتَیْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَیْئاً
النّساء: 20
یلاحظ أنّ موضوع الآیة مهر النّساء و صدقاتهنّ، حیث أکّد القرآن على المحافظة علیها، و ضرورة إعطائهنّ حقوقهنّ، فی الآیة السّابقة لهذه الآیة و اللّاحقة لها. إلّا أنّ فیها مزیّة خاصّة بها، و هی إرادة استبدال زوج مکان زوج الّتی تحدث کثیرا للمفرطین فی الزّواج. و عند ذلک تکون الزّوجة تحت وطأة الزّوج الّذی أراد فراقها فی صداقها، طموحا إلى المرأة الّتی أراد وصلها، فیجحد حقّ الأولى بهتانا و افتراء بأنّها أخذت حقّها من الصّداق من ذی قبل، أو أنّ مقدار صداقها لم یکن مطابقا لما تدّعیه، أو نحو ذلک من الخلط و التّمویه، لیبلغ أربه من العشق الثّانی و الثّالث و هکذا.
و نحن نعتبر هذه الحالة أشدّ الحالات حسّاسیّة للرّجال، فخصّها القرآن بالبحث على حدة، کما خصّ لفظ (احدیهنّ) بها أیضا، لیکون معلما لها، و لم یکرّره و هذا نظیر ما سبق فی (أحد عشر) و (أحدکما) و (أحدنا).
الحادی عشر: یلاحظ أنّ للفظة (أحد) و (إحدى) فی القرآن محورین:
المحور الأوّل: ما کان دائرا فی فلک المخلوقات، و یغلب علیه الاستعمال فی سیاق النّفی أو ما فی معناه، کما رأینا فی الآیات المتقدّمة، و مثل قوله: وَ لَنْ نُشْرِکَ بِرَبِّنا أَحَداً الجنّ: 2. و فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً الجنّ: 18.
و قد یأتی أیضا فی سیاق الإیجاب مضمّنا معنى التّجرید إلى حدّ ما فی:


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست