|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۱٤
وهذا مما لا ینبغی أن ینتطح فیه کبشان وکأنه لهذا اشترط الرقاشی والقطان مواطأة القلب مع المعرفة عنه الأول والتصدیق المکتسب بالاختیار عند الثانی، وقال الکرامیة: من أضمر الانکار وأظهر الإذعان وإن کان مؤمنا لغة وشرعا لتحقق اللفظ الدال الذی وضع لفظ الإیمان بإزائه إلا أنه یستحق ذلک الشخص الخلود فی النار لعدم تحقق مدلول ذلک اللفظ الذی هو مقصود من اعتبار دلالته، هذا وبعد سبر الأقوال فی هذا المقام لم یظهر لی بأس فیما ذهب إلیه السلف الصالح وهو أن لفظ الإیمان موضوع للقدر المشترک بین التصدیق وبین الأعمال فیکون إطلاقه على التصدیق فقط وعلى مجموع التصدیق والأعمال حقیقة کما أن المعتبر فی الشجرة المعینة - بحسب العرف - القدر المشترک بین ساقها ومجموع ساقها مع الشعب والأوراق فلا یطلق الانعدام علیها ما بقی الساق فالتصدیق بمنزلة أصل الشجرة والأعمال بمنزلة فروعها وأغصانها فما دام الأصل باقیا یکون الإیمان باقیا وقد ورد فی الصحیح الإیمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطریق " وقریب من هذا قول من قال إن الأعمال آثار خارجة عن الإیمان مسببة له ویطلق علیها لفظ الإیمان مجازا ولا مخالفة بین القولین إلا بأن إطلاق اللفظ علیها حقیقة على الأول مجاز على الثانی وهو بحث لفظی والمتبادر من الإیمان ههنا التصدیق کما لا یخفى. والغیب مصدر أقیم مقام الوصف وهو غائب للمبالغة بجعله کأنه هو وجعله بمعنى المفعول یرده کما فی " البحر " أن الغیب مصدر غاب وهو لازم لا یبنى منه اسم مفعول وجعله تفسیرا بالمعنى لأن الغائب یغیب بنفسه تکلف من غیر داع أو فیعل خفف کقیل ومیت - وفی " البحر " - لا ینبغی أن یدعى ذلک إلا فیما سمع مخففا ومثقلا، وفسره جمع هنا بما لا یقع تحت الحواس ولا تقتضیه بداهة العقل، فمنه ما لم ینصب علیه دلیل وتفرد بعلمه اللطیف الخبیر سبحانه وتعالى کعلم القدر مثلا، ومنه ما نصب علیه دلیل کالحق تعالى وصفاته العلا فإنه غیب یعلمه من أعطاه الله تعالى نورا على حسب ذلک النور فلهذا تجد الناس متفاوتین فیه، وللأولیاء نفعنا الله تعالى بهم الحظ الافر منه. ومن هنا قیل: الغیب مشاهدة الکل بعین الحق فقد یمنح العبد قرب النوافل فیکون الحق سبحانه بصره الذی یبصر به وسمعه الذی یسمع به ویرقى من ذلک إلى قرب الفرائض فیکون نورا فهناک یکون الغیب له شهودا والمفقود لدینا عنده موجودا ومع هذا لا أسوغ لمن وصل إلى ذلک المقام أن یقال فیه أنه یعلم الغیب * (قل لا یعلم من فی السموات والأرض الغیب إلا الله) * (النحل: 65). وقل لقتیل الحب وفیت حقه وللمدعی هیهات ما الکحل الکحل واختلف الناس فی المراد به هنا على أقوال شتى حتى زعمت الشیعة أنه القائم وقعدوا عن إقامة الحجة على ذلک والذی یمیل إلیه القلب أنه ما أخبر به الرسول صلى الله علیه وسلم فی حدیث جبریل علیه السلام وهو الله تعالى وملائکته وکتبه ورسله والیوم الآخر والقدر خیره وشره لأن الإیمان المطلوب شرعا هو ذاک لا سیما وقد انضم إلیه الوصفان بعده وکون ذلک مستلزما لإطلاق الغیب علیه سبحانه ضمنا والغیب والغائب ما یجوز علیه الحضور والغیبة مما لا یضر إذ لیس فیه إطلاقه علیه سبحانه بخصوصه فهذا لیس من قبیل التسمیة على أنه لا نسلم أن الغیب لا یستعمل إلا فیما یجوز علیه الحضور وبعض أهل العلم فرق بین الغیب والغائب فیقولون الله تعالى غیب ولیس بغائب ویعنون بالغائب ما لا یراک ولا تراه بالغیب ما لا تراه أنت، ولا یبعد أن یقال بالتغلیب لیدخل إیمان الصحابة رضی الله تعالى عنهم به صلى الله علیه وسلم إذ لیس بغیب بالنسبة إلیهم أو یقال الإیمان به علیه الصلاة والسلام راجع إلى الإیمان برسالته مثلا إذ لا معنى للإیمان
|