تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۱٦   

فلا حاجة إلى الاستعارة ولا یخفى ما فیه فإن المجازیة ما لا شبهة فیها درایة وروایة وذاک الاستعمال مجاز مشهور أوحقیقة عرفیة، وفی الثانی: بأن نفاق السوق کانتصاب الشخص فی حسن الحال والظهور التام فاستعمل القیام فیه والإقامة فی إنفاقها ثم استعیرت منه للمداومة فإن کلا منهما یجعل متعلقه مرغوبا متنافسا فیه متوجها إلیه وهذا معنى لطیف لا یقف علیه إلا الخواص إلا أن فیه تجوزا من المجاز وکأنه لهذا مال الطیبی إلى أن فی هذا الوجه کنایة تلویحیة حیث عبر عن الدوام بالإقامة فإن إقامة الصلاة بالمعنى الأول مشعرة بکونها مرغوبا فیها وإضاعتها تدل على ابتذالها کالسوق إذا شوهدت قائمة دلت على نفاق سلعتها ونفاقها على توجه الرغبات إلیها وهو یستدعی الاستدامة بخلافها إذا لم تکن قائمة، وفی الثالث: بأن القیام بالأمر یدل على الاعتناء بشأنه ویلزمه التشمر فأطلق القیام على لازمه، وقد یقال بأن قام بالأمر معناه جد فیه وخرج عن عهدته بلا تأخیر ولا تقصیر فکأنه قام بنفسه لذلک وأقامه أی رفعه على کاهله بجملته فحینئذ یصح أن یکون فیه استعارة تمثیلیة أو مکنیة أو تصریحیة ویجوز أن یکون أیضا مجازا مرسلا لأن من قام لأمر على أقدام الإقدام ورفعه على کاهل الجد فقد بذل فیه جهده، وفی الرابع: بأن الأداء المراد به فعل الصلاة والقید خارج عبر عنه بالإقامة بعلاقة اللزوم إذ یلزم من تأدیة الصلاة وإیجادها کلها فعل القیام وهو الإقامة لأن فعل الشیء فعل لأجزائه أو العلاقة الجزئیة لأن الإقامة جزء أو جزئی لمطلق الفعل ویجوز أن یکون هناک استعارة لمشابهة الأداء للإقامة فی أن کلا منهما فعل متعلق بالصلاة.
وإلى ترجیح أول الأوجه مال جمع لأنه أظهر وأقرب إلى الحقیقة وأفید وهو المروی عن ترجمان القرآن ابن عباس رضی الله تعالى عنهما کما أخرجه ابن جریر وابن أبی حاتم من طرق عنه ولعل ذلک منه عن توقیف من رسول الله صلى الله علیه وسلم أو حمل لکلام الله سبحانه وتعالى على أحسن محامله حیث إنه المناسب لترتیب الهدى الکامل والفلاح التام الشامل وفیه المدح العظیم والثناء العمیم ولا یبعد أن یقال باستلزامه لما فی الأوجه الأخیرة وتعین الأخیر کما قیل فی حدیث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى یشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ویقیموا الصلاة ویؤتوا الزکاة فإذا فعلوا ذلک فقد عصموا منی دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام " لا یضر فی أرجحیة الأول فی الکلام القدیم إذ یرد أنه لو أرید ذلک قیل یصلون والعدول عن الأخصر الأظهر بلا فائدة لا یتجه فی کلام بلیغ فضلا عن أبلغ الکلام ولکل مقام مقال فافهم.
والصلاة فی الأصل عند بعض بمعنى الدعاء ومنه قوله صلى الله علیه وسلم: " إذا دعی أحدکم إلى طعام فلیجب وإن کان صائما فلیصل " وهی عند أهل الشرع مستعملة فی ذات الأرکان لأنها دعاء بالألسنة الثلاثة الحال والفعل والمقال، والمشهور فی أصول الفقه أن المعتزلة على أن هذه وأمثالها حقائق مخترعة شرعیة لأنها منقولة عن معان لغویة والقاضی أبو بکر منا على أنها مجازات لغویة مشهورة لم تصر حقائق وجماهیر الأصحاب على أنها حقائق شرعیة عن معان لغویة. وقال أبو علی ورجحه السهیلی الصلاة من الصلوین لعرقین فی الظهر لأن أول ما یشاهد من أحوالها تحریکهما للرکوع واستحسنه ابن جنی وسمى الداعی مصلیا تشبیها له فی تخشعه بالراکع الساجد. وقیل أخذت الصلاة من ذاک لأنها جاءت ثانیة للإیمان فشبهت بالمصلى من الخیل للآتی مع صلوى السابق وأنکر الإمام الاشتقاق من الصلوین مستندا إلى أن الصلاة من أشهر الألفاظ فاشتقاقها من غیر المشهور فی غایة البعد وأکاد أوافقه وإن قیل إن عدم الاستشهار لا یقدح فی النقل وقیل من صلیت العصا إذا قومتها بالصلی، فالمصلی کأنه یسعى فی تعدیل ظاهره وباطنه مثل ما یحاول تعدیل الخشبة بعرضها على النار وهی فعل


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب