تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۱۸   

به طول عمره مرزوقا ولیس کذلک لقوله تعالى: * (وما من دابة فی الأرض إلا على الله رزقها) * (هود: 6) لیس بشیء لأن للمعتزلة أن لا یخصوا الرزق بالغذاء بل یکتفوا بمطلق الانتفاع دون الانتفاع بالفعل بل التمکن فیه فلا یتم الدلیل إلا إذا فرض أن ذلک الشخص لم ینتفع من وقت وفاته إلى وقت موته بشیء انتفاعا محللا لا رضعة من ثدی ولا شربة من ماء مباح ولا نظرة إلى محبوب ولا وصلة إلى مطلوب بل ولا تمکن من ذلک أصلا والعادة تقضی بعدم وجوده ومادة النقض لا بد من تحققها على أنه لو قدر وجوده لقالوا إن ذلک لیس محرما بالنبة إلیه * (فمن اضطر غیر باغ ولا عاد فلا إثم علیه) * (البقرة: 173) وأیضا لهم أن یعترضوا بمن عاش یوما مثلا ثم مات قبل أن یتناول حلالا ولا حراما وما یکون جوابنا لهم یکون جوابهم لنا على أن الآیة لم تدل على أن الله تعالى یوصل جمیع ما ینتفع به کل أحد إلیه فإن الواقع خلافه بل دلت على أنه سبحانه وتعالى یسوق الرزق ویمکن من الانتفاع به فإذا حصل الإعراض من الحلال إلى الحرام لم یقدح فی تحقق رازقیته جل وعلا، وأیضا قد یقال: معنى الآیة ما من دابة متصفة بالمرزوقیة فلا تدخل مادة النقض لیضر خروجها کما لا یدخل السمک فی قولهم کل دابة تذبح بالسکین أی کل دابة تتصف بالمذبوحیة فالاتصاف أن هذا لا یصلح دلیلا، والأحسن الاستدلال بالاجماع قبل ظهور المعتزلة على أن من أکل الحرام طول عمره مرزوق طول عمره ذلک الحرام والظواهر تشهد بانقسام الرزق إلى طیب وخبیث وهی تکفی فی مثل هذه المسألة والأصل الذی بنی علیه التخصیص قد ترکه أهل السنة قاعا صفصفا.
والانفاق الانفاد یقال أنفقت الشیء وأنفدته بمعنى والهمزة للتعدیة وأصل المادة تدل على الخروج والذهاب ومنه نافق والنافقاء ونفق وإنما قدم سبحانه وتعالى المعمول اعتناء بما خول الله تعالى العبد أو لأنه مقدم على الانفاق فی الخارج ولتناسب الفواصل والمراد بالرزق هنا الحلال لأنه فی معرض وصف المتقی ولا مدح أیضا فی إنفاق الحرام قیل ولا یرد قول الفقهاء إذا اجتمع عند أحد مال لا یعرف صاحبه ینبغی أن یتصدق به فإذا وجد صاحبه دفع قیمته أو مثله إلیه فهذا الانفاق مما یثاب علیه لأنه لما فعله بإذن الشارع استحق المدح لأنه لما لم یعرف صاحبه کان له التصرف فیه وانتقل بالضمان إلى ملکه وتبدلت الحرمة إلى ثمنه على أنه قد وقع الخلاف فیما لو عمل الخیر بمال مغصوب عرف صاحبه کما قال ابن القیم فی " بدائع الفوائد " فذهب ابن عقیل إلى أنه لا ثواب للغاصب فیه لأنه آثم ولا لرب المال لأنه لا نیة له ولا ثواب بدونها وإنما یأخذ من حسنات الغاصب بقدر ماله. وقیل إنه نفع حصل بماله وتولد منه ومثله یثاب علیه کالولد الصالح یؤجر به وإن لم یقصده، ویفهم کلام البعض - وهو من الغرابة بمکان - أن الغاصب أیضا یؤجر إذا صرفها بخیر وإن تعد واقتص من حسناته بسبب أخذه لأنه لو فسق به عوقب مرتین مرة على الغصب ومرة على الفسق فإذا عمل به خیرا ینبغی أن یثاب علیه فمن یعمل مثقال ذرة خیرا یره * ومن یعمل مثقال ذرة شرا یره ولا یرد على ذلک قوله صلى الله علیه وسلم " لا یقبل الله صدقة من غلول " وقوله: " إن الله طیب لا یقبل إلا طیبا " لأن مآل ما ذکر أن الثواب على نفس العدول من الصرف فی المعصیة إلى الصرف فیما هو طاعة فی نفسه لا على نفس الصدقة مثلا بالمال الحرام من حیث إنه حرام والفرق دقیق لا یهتدى إلیه إلا بتوفیق.
وقد اختلف فی الانفاق ههنا فقیل - وهو الأولى - صرف المال فی سبل الخیرات أو البذل من النعم الظاهرة والباطنة وعلم لا یقال به ککنز لا ینفق منه. وعن ابن عباس الزکاة، وعنه وعن ابن مسعود نفقة العیال، وعن الضحاک التطوع قبل فرض الزکاة أو النفقة فی الجهاد. ولعل هذه الأقوال تمثیل للمنفق لا خلاف فیه، وبعضهم جعلها خلافا ورجح کونها الزکاة المفروضة باقترانها


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب