|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۲٠
إشارة إلى الثانیة لفوزهم بما کانوا ینتظرونه أو بأن أولئک من حیث المجموع کان فیهم شرک وهؤلاء لم یشرکوا ولم ینکروا، وقیل التغایر بالعموم والخصوص مثله فی قوله تعالى: * (تنزل الملائکة والروح) * (القدر: 4) والتخصیص هنا بعد التعمیم للإشارة إلى الأفضلیة من حیثیة إنهم یعطون أجرهم مرتین وقد یوجد فی المفضول ما لیس فی الفاضل وفی ذلک ترغیب أهل الکتاب فی الدخول فی الإسلام، وقال بعضهم إن هؤلاء هم الأولون بأعیانهم وتوسیط العطف جار فی الأسماء والصفات باعتبار تغایر المفهومات ویکون بالواو والفاء وثم باعتبار تعاقب الانتقال فی الأحوال والجمع المستفاد من الواو هنا واقع بین معانی الصفات المفهومة من المتعاطفین والإیمان الذی مع أولهما إجمالی وعقلی ومع ثانیها تفصیلی ونقلی وإعادة الموصول للتنبیه على تغایر القبیلین وتباین السبیلین وقد یعطف على المتقین والموصول غیر مفصول لما یلزم على الوصل الفصلی بأجنبی بین المبتدأ وخبره والمعطوف، والمعطوف علیه والتغایر بین المتعاطفین باعتبار أن المراد بالمعطوف علیه من آمن من العرب الذین لیسوا بأهل کتاب وبالمعطوف من آمن به صلى الله علیه وسلم من أهل الکتاب وقد رجح بعض المحققین احتمال أن یکون هؤلاء هم الأولون وتوسط الواو بین الصفات بأن الإیمان بالمنزلین مشترک بین المؤمنین قاطبة فلا وجه لتخصیصه بمؤمنی أهل الکتاب والإفراد بالذکر لا یدل على أن الإیمان بکل بطریق الاستقلال فقد أفرد الکتب المنزلة من قبل فی قوله تعالى: * (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلینا وما أنزل إلى إبراهیم) * (البقرة: 136) ولم یقتض الإیمان بها على الانفراد وبأن أهل الکتاب لم یکونوا مؤمنین بجمیع ما أنزل من قبل لأن الیهود لم یؤمنوا بالإنجیل ودینهم منسوخ به وبأن الصفات السابقة ثابتة لمن آمن من أهل الکتاب فالتخصیص بمن عداهم تحکم وجعل الکلام من قبیل عطف الخاص على العام لا یلائم المقام. وأجیب أما أولا فبأن المتبادر من السیاق الإیمان بالاستقلال لا سیما فی مقام المدح وإلیه یشیر ما جاء أنهم یؤتون أجرهم مرتین والخطاب فی الآیة للمسلمین بأن یقولوا دفعة ولم یعد فیها الإیمان والمؤمن فلا ترد نقضا، وأما ثانیا فلأن إیمان أهل الکتاب بکل وحی إنما هو بالنظر إلى جمیعهم فالیهود اشتمل إیمانهم على القرآن والتوراة، والنصارى اشتمل إیمانهم على الإنجیل أیضا ویکفی هذا فی توجیه المروی عمن شاهدوا نزول الوحی ولا یرغب عنه إذا أمکن توجیهه وکون المفهوم المتبادر ثبوت الحکم لکل واحد إن سلم لا یرده ولا یرد أن الیهود الذین آمنوا على عهد نبینا صلى الله علیه وسلم لم یؤمنوا قبل ذلک بالتوراة وإلا لتنصروا لأن فیها نبوة عیسى کما فیها نبوة رسول الله صلى الله علیه وسلم إذ رقد ورد فیها - إن الله جاء من طور سیناء وظهر بساعیر وعلن بفاران - وساعیر بیت المقدس الذی ظهر فیه عیسى، وفاران جبال مکة التی کانت مظهر المصطفى صلى الله علیه وسلم لأنا نقول إنهم آمنوا بالتوراة وتأولوا ما دل منها على نبوة المسیح علیه السلام فبعض أنکر نبوته رأسا ورموه بما رموه - وحاشاه وهم الکثیرون - وبعض کالعنانیة قالوا: إنه من أولیاء الله تعالى المخلصین العارفین بأحکام التوراة ولیس بنبی وهؤلاء قلیلون مخالفون لسائر الیهود فی السبت والأعیاد ویقتصرون على أکل الطیر والظباء والسمک والجراد وهذا الإیمان وإن لم یکن نافعا فی النجاة من النار إلا أنه یقلل الشر بالنسبة إلى الکفر بالتوراة وإنکارها بالکلیة مع الکفر بعیسى علیه السلام وربما یمدحون بالنظر إلى أصل الإیمان بها وإن ذموا بحیثیة أخرى وکأنه لهذا یکتفى منهم بالجزیة ولم یکونوا طعمة للسیوف مطلقا والقول بأنهم مدحوا بعد إیمانهم بالقرآن بالإیمان بالتوراة نظرا إلى أسلافهم الذین کانوا على عهد موسى علیه السلام فإنهم مؤمنون بها إیمانا صحیحا على وجهها کما أنهم ذموا بما صنع آباؤهم على عهده على ما ینطق به کثیر من الآیات لیس بشیء إذ لا معنى لإیتائهم
|