تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۲۱   

أجرین حینئذ والفرق بین البابین واضح. ثم النسخ الذی ادعاه المرجح خلاف ما ذکره الشهرستانی وغیره من أن الإنجیل لم یبین أحکاما ولا استبطن حلالا وحراما ولکنه رموز وأمثال ومواعظ والأحکام محالة إلى التوراة وقد قال المسیح ما جئت لأبطل التوراة بل جئت لأکملها وهذا خلاف ما تقتضیه الظواهر وسیأتی إن شاء الله تعالى تحقیقه، وأما ثالثا فلأن ثبوت الصفات لمن آمن من أهل الکتاب لا یضرنا لأنها مذکورة فی الأول صریحا وفی الثانی التزاما، وأما رابعا فلأنا لا نسلم أن ذلک العطف لا یلائم المقام فنکات عطف الخاص على العام لا تخفى کثرتها على ذوی الأفهام فدع ما مر وخذ ما حلا، وعندی بعد هذا کله أن الاعتراض ذکر والجواب أنثى لکن الروایة دعت إلى ذلک ولعل أهل مکة أدرى بشعابها وفوق کل ذی علم علیم على أن الدرایة قد تساعده کما قیل بناء على أن إعادة الموصول وتوصیفه بالإیمان بالمنزلین مع اشتراکه بین جمیع المؤمنین واشتمال الإیمان بما أنزل إلیک على الإیمان بما أنزل من قبلک یستدعی أن یراد به من لهم نوع اختصاص بالصلة وهم مؤمنو أهل الکتاب حیث کانوا مطالبین بالإیمان بالقرآن خصوصا قال تعالى: * (وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معکم) * (البقرة: 41) مؤمنین بالکتب استقلالا فی الجملة بخلاف سائر المؤمنین، ثم المتبادر من أهل الکتاب أهل التوراة والإنجیل وحمله على أهل الإنجیل خاصة وقد آمن منهم أربعون واثنان وثلاثون جاءوا مع جعفر من أرض الحبشة وثمانیة من الشام لا تساعده روایة ولا درایة کما لا یخفى، والإنزال الإیصال والإبلاغ ولا یشترط أن یکون من أعلى خلافا لمن ادعاه نحو: * (فإذا نزل بساحتهم) * (الصافات: 177) أی وصل وحل وإنزال الکتب الإلهیة قد مر فی المقدمات ما یطلعک إلى معارجه، وذکر أن معنى إنزال القرآن أن جبریل سمع کلام الله تعالى کیف شاء الله تعالى فنزل به أو أظهره فی اللوح کتابة فحفظه الملک وأداه بأی نوع کان من الأداء.
وذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه الذی نجزم به من غیر بحث عن کیفیته. وقال الحکماء: إن نفوس الأنبیاء علیهم السلام قدسیة فتقوى على الاتصال بالملأ الأعلى فینتقش فیها من الصور ما ینتقل إلى القوة المتخیلة والحس المشترک فیرى کالمشاهد وهو الوحی وربما یعلو فیسمع کلاما منظوما ویشبه أن نزول الکتب من هذا. وعندی أن هذا قد یکون لأرباب النفوس القدسیة والأرواح الإنسیة إلا أن أمر النبوة وراء ذلک وأین الثریا من ید المتناول.
وفعلا الإنزال مبنیان للمفعول وقرأهما النخعی وأبو حیوة ویزد بن قطیب مبنیین للفاعل وقرىء شاذا (بما أنزل إلیک) بتشدید اللام ووجه ذلک أنه أسکن لام (أنزل) ثم حذف همزة إلى ونقل کسرتها إلى اللام فالتقى المثلان فأدغم. وضمیر الفاعل قیل الله وقیل جبریل علیه السلام. وفی " البحر " أن فیه التفاتا لتقدم * (.. مما رزقناهم) * فخرج من ضمیر المتکلم إلى ضمیر الغیبة ولو جرى على الأول لجاء - بما أنزلنا إلیک وما أنزلنا من قبلک - وأتى سبحانه بصلة (ما) الأولى فعلا ماضیا مع أن المراد بالمنزل جمیعه لاقتضاء السیاق، والسباق له من ترتب الهدى والفلاح الکاملین علیه ولوقوعه فی مقابلة ما أنزل قبل ولاقتضاء * (یؤمنون) * المنبىء عن الاستمرار والجمیع لم ینزل وقت تنزل الآیة لأمرین: الأول إنه تغلیب لما وجد نزوله على ما لا یوجد فهو من قبیل إطلاق الجزء على الکل والثانی تشبیه جمیع المنزل بشیء نزل فی تحقق الوقوع لأن بعضه نزل وبعضه سینزل قطعا فیصیر إنزال مجموعه مشبها بإنزال ذلک الشیء الذی نزل فتستعار صیغة الماضی من إنزاله لإنزال المجموع، هذا ما حققه من یعقد عند ذکرهم الخناصر وفیه دغدغة کبرى. وأهون منه أن التعبیر بالماضی هنا للمشاکلة لوقوع غیر المتحقق فی صحبة المتحقق، وأهون من ذلک کله أن المراد به حقیقة الماضی ویدل على الإیمان بالمستقبل بدلالة النص. وما قیل من أن الإیمان بما سینزل لیس بواجب إلا أن حمله على الجمیع أکمل فلذا اقتصر علیه لا وجه له إذ لا شبهة فی أنه یلزم المؤمن أن یؤمن بما


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب