|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۲٣
والعقاب وتفصیل أنواع التنعیم والتعذیب ونشأة أصحابهما على خلاف النشأة الدنیویة مع إثبات المعاد الجسمانی کیفما کان إلى غیر ذلک مما هو أغرب من الإیمان بالکتاب المنزل حتى أنکره کثیر من الناس وخلا عن تفاصیله على ما عندنا التوراة والإنجیل فلیس فی الأول - على ما فی شرح الطوالع - ذکر المعاد الجسمانی وإنما ذکر فی کتب حزقیل وشعیاء والمذکور فی الإنجیل إنما هو المعاد الروحانی فناسب أن یقرن هذا الأمر المهم الغریب الذی حارت عقول الکثیرین فی إثباته وتهافتوا على إنکاره تهافت الفراش على النار بالإیقان وهو هو إظهارا لکمال المدح وإبداء لغایة الثناء، وتقدیم المجرور للإشارة إلى أن إیقانهم مقصور على حقیقة الآخرة لا یتعداها إلى خلاف حقیقتها مما یزعمه الیهود مثلا حیث قالوا: * (لن یدخل الجنة إلا من کان هودا) * * (ولا تمسنا النار إلا أیاما معدودة) * وزعموا أنهم یتلذذون بالنسیم والأرواح إذ لیس ذلک من الآخرة فی شیء وفی بناء یوقنوه على * (هم) * إشارة إلى أن اعتقاد مقابلیهم فی الآخرة جهل محض وتخییل فارغ ولیسوا من الیقین فی ظل ولا فیء. * (أولئک على هدى من ربهم وأولئک هم المفلحون) * * (أولائک على هدى من ربهم) * الظاهر أنه جملة مرفوعة المحل على الخبریة فإن جعل الموصول الأول مفصولا على أکثر التقادیر فی الثانی ویتبعه فصله بحسب الظاهر إذ لا یقطع المعطوف علیه دون المعطوف فالخبریة له وإن جعل موصولا وأرید بالثانی طائفة مما تقدمه وجعل هو مفصولا کان الإخبار عنه وذکر الخاص بعد العام کما یجوز أن یکون بطریق التشریک بینهما فی الحکم السابق - أعنی هدى للمتقین - یجوز أن یکون بطریق إفراده بالحکم عن العام وحینئذ تکون الجملة المرکبة من الموصول الثانی وجملة الخبر معطوفة على جملة * (هدى للمتقین) * الموصوفین - بالذین یؤمنون بالغیب - والجملة الأولى وإن کانت مسوقة لمدح الکتاب والثانیة لمدح الموصوفین بالإیمان بجمیع الکتب إلا أن مدحهم لیس إلا باعتبار إیمانهم بذلک الکتاب فهما متناسبتان باعتبار إفادة مدحه وفائدة جعل المدح مقصودا بالذات ترغیب أمثالهم والتعریض على ما قیل بمن لیس على صفتهم والتخصیص المستفاد من المعطوف بالقیاس إلى من لم یتصف بأوصافهم فلا ینافی ما استفید من المعطوف علیه من ثبوت الهدى للمتقین مطلقا. نعم لیس هذا الوجه فی البلاغة بمرتبة فصل الموصول الأول فهو أولى، وعلیه تکون الجملة مشیرة إلى جواب سؤال إما عن الحکم أی إن المتقین هل یستحقون ما أثبت لهم من الاختصاص بالهدى أو عن السبب کأنه قیل ما سبب اختصاصهم أو عن مجموع الأمرین أی هل هم أحقاء بذلک وما السبب فیه حتى یکونوا کذلک؟ فأجیب بأن هؤلاء لأجل اتصافهم بالصفات المذکورة متمکنون على الهدى الکامل الذی منحهم إیاه ربهم تعالى بکتابه. ومعلوم أن العلة مختصة بهم فیکونون مستحقین للاختصاص. فالجواب مشتمل على الحکم المطلوب مع تلخیص موجبه وضم نتیجة الهدى تقویة للمبالغة التی تضمنها تنکیر هدى أو تحقیقا للحکم بالبرهان الآتی أیضا ولذا استغنى عن تأکید النسبة أو الجملة الإسمیة مؤکدة. وقد یقال إنه بین الجواب مرتبا علیه مسببیه أعنی الهدى والفلاح لأن ذلک أوصل إلى معرفة السبب ولا حاجة حینئذ إلى التأکید، والأمر على التقدیر الثالث ظاهر وجعل الجملة مشیرة إلى الجواب على احتمال وصل الأول وفصل الثانی مما لا یخفى انفصاله عن ساحة القبول، وإذا وصل الأول وعطف الثانی تکون هذه الجملة مستأنفة استئنافا نحویا، والفصل لکمال الاتصال إذ هی کالنتیجة للصفات السابقة أو بیانیا والفصل لکونها کالمتصلة فکأن سائلا یقول ما للموصوفین بهذه الصفات اختصوا بالهدى؟ فأجیب بأن سبب اختصاصهم أنه سبحانه قدر فی الأزل سعادتهم وهدایتهم فجبلتهم مطبوعة على الهدایة والسعید سعید فی بطن أمه لا سیما إذا انضم إلیه الفلاح الأخروی الذی هو أعظم المطالب، أو یقال إن الجواب بشرح
|