تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱۲۸   

لما لم تکن زمانیة یستوی إلیها جمیع الأزمنة استواء جمیع الأمکنة فالأنواع کل منها حاضر عنده فی مرتبته واختلاف التعبیرات بالنظر إلى المخاطب الزمانی رعایة للحکمة فی باب التفهیم، وقیل غیر ذلک مما یطول ذکره، وقد ذکرنا فی الفائدة الرابعة ما یفیدک ذکره هنا فتذکر و * (سواء) * اسم مصدر بمعنى الاستواء وهو لا یثنى ولا یجمع وقد استغنوا عن تثنیته بتثنیة * (سی) * إلا شذوذا وکأنه فی الأصل مصدر کما قاله الرضى ورفع على أنه خبران وما بعده مرتفع به على الفاعلیة کأنه قیل إن الذین کفروا مستو علیهم إنذارک وعدمه - أو خبر مبتدأ محذوف - تقدیره الأمران سواء ثم بین الأمرین بقوله سبحانه: * (أأنذرتهم أم لم تنذرهم) * أو خبر لما بعده أی إنذارک وعدمه سیان وهو المشهور على ألسنة الطلبة فی مثله. وأورد علیه أمور. الأول: إن الفعل لا یسند إلیه. الثانی: إنه مبطل لصدارة الاستفهام. الثالث: إن الهمزة و * (أم) * موضوعان لأحد الأمرین وکل ما یدل على الاستواء لا یسند إلا إلى متعدد فلذا یقال استوى وجوده وعدمه ولا یقال أو عدمه. الرابع: إنه على تقدیر کونه خبرا یلزم أن لا یصح تقدیمه لالتباس المبتدأ بالفاعل. ویجاب أما عن الأول فبأنه من جنس الکلام المهجور فیه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، والعرب تمیل فی مواضع من کلامهم مع المعانی میلا بینا ومن ذلک - لا تأکل السمک وتشرب اللبن - أی لا یکن منک أکل السمک وشرب اللبن ولو أجرى على ظاهره لزم عطف الاسم المنصوب على الفعل بل المفرد على جملة لا محل لها. ودعوى البیضاوی - بیض الله تعالى غرة أحواله - أنه استعمل فیه اللفظ فی جزء معناه وهو الحدث تجوزا فلذا صح الإخبار عنه کما یجوز الإخبار عما یراد به مجرد لفظه کضرب ماض مفتوح الباء على ما فیها لا تتأتى فیما إذا کان المعادلان - أو أحدهما بعد همزة التسویة - جملة اسمیة کما فی قوله تعالى: * (سواء علیکم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) * ویدخل فی المیل مع المعنى مع أنه لا یلزم علیه الخروج عن الحقیقة وقد نقل ابن جنی عن أبی علی أنه قال: الجملة المرکبة من المبتدأ والخبر تقع موقع الفعل المنصوب بأن إذا انتصب وانصرف القول به والرأی فیه إلى مذهب المصدر کقوله تعالى: * (هل لکم مما ملکت أیمانکم من شرکاء فیما رزقناکم فأنتم فیه سواء) * وکقوله سبحانه وتعالى: * (أعنده علم الغیب فهو یرى) * ألا ترى أن الفاء جواب الاستفهام وهی تصرف الفعل بعدها إلى الانتصاب بأن مضمرة والفعل المنصوب مصدر لا محالة حتى کأنه قال أعنده علم الغیب فرؤیته وهل بینکم شرکة فاستواء، وأما عن الثانی والثالث فبأن الهمزة و * (أم) * انسلخا عن معنى الاستفهام عن أحد الأمرین ولما کانا مستویین فی علم المستفهم جعلا مستویین فی تعلق الحکم بکلیهما، ولهذا قیل تجوز بهما عن معنى الواو العاطفة الدالة على اجتماع متعاطفیها فی نسبة ما من غیر ملاحظة تقدم أو تأخر، ثم إن مثل هذا المعنى وإن کان مرادا إلا أنه لا یلاحظ فی عنوان الموضوع بعد السبک کما لا یلاحظ معنى العاطف فلا یقال فی الترجمة هنا إلا الإنذار وعدمه سواء من غیر نظر إلى التساوی حتى یقال إذا کان تقدیر المبتدأ المتساویان یلغو حمل سواء علیه فیدفع بما یدفع، وقد قال الإمام الآفسرای: إن أنذرتهم الخ. انتقل عن أن یکون المقصود أحدهما إلى أن یکون المراد کلیهما وهذا معنى الاستواء الموجود فیه، وأما الحکم بالاستواء فی عدم النفع فلم یحصل إلا من قوله: * (سواء علیهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) * وذکر أنه ظفر بمثله عن أبی علی الفارسی، وکلام المولى الفناری یحوم حول هذا الحمى، وذهب بعض المحققین إلى أنهما فی الأصل للاستفهام عن أحد الأمرین وهما مستویان فی علم المستفهم، وقد ذهب ذلک الاستواء هنا إذ سلخ عنهما الاستفهام وبقی الاستواء فی العلم وهو معنى قول من قال الهمزة و * (أم) * مجردتان لمعنى الاستواء فیکون الحاصل فیما نحن فیه المتساویان فی علمک مستویان فی عدم


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب