تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٣٣   

الإلهی بها على ما هی علیه مما یقتضیه استعدادها من اختیار أحد الطرفین الخیر والشر تعلقت الإرادة الإلهیة بهذا الذی اختاره العبد بمقتضى استعداده فیصیر مراده بعد تعلق الإرادة الإلهیة مرادا لله تعالى فاختیاره الأزلی بمقتضى استعداده متبوع للعلم المتبوع للإرادة مراعاة للحکم وأن اختیاره فیما لا یزال تابع للإرادة الأزلیة المتعلقة باختیاره لما اختاره، فالعباد منساقون إلى أن یفعلوا ما یصدر عنهم باختیارهم لا بالإکراه والجبر ولیسوا جبورین فی اختیارهم الأزلی لأنه سابق الرتبة على تعلق العلم السابق على تعلق الإرادة والجبر تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الذی هو هنا اختیارهم الأزلی فیمتنع أن یکون تابعا لما هو متأخر عنه بمراتب، فما من شیء یبرزه الله تعالى بمقتضى الحکمة ویفیضه على الممکنات إلا وهو مطلوبها بلسان استعدادها وما حرمها سبحانه شیئا من ذلک کما یشیر إلیه قوله تعالى: * (أعطی کل شیء خلقه) * أی الثابت له فی الأزل مما یقتضیه استعداده الغیر المجعول، وإن کانت الصور الوجودیة الحادثة مجعولة. وقوله تعالى: * (فألهمها فجورها وتقواها) * أی الثابتین لها فی نفس الأمر والکل من حیث أنه خلقه حسن لکونه بارزا بمقتضى الحکمة من صانع مطلق لا حاکم علیه ولهذا قال عز شأنه: * (أحسن کل شیء خلقه) * و * (ما ترى فی خلق الرحمن من تفاوت) * أی من حیث أنه مضاف إلیه ومفاض منه وإن تفاوت من جهة أخرى وافترق عند إضافة بعضه إلى بعض، فعلى هذا یکون الختم منه سبحانه وتعالى دلیلا على سواء استعدادهم الثابت فی علمه الأزلی الغیر المجعول بل هذا الختم الذی هو من مقتضیات الاستعداد لم یکن من الله تعالى إلا إیجاده وإظهار یقینه طبق ما علمه فیهم أزلا حیث لا جعل * (وما ظلمهم الله) * تعالى فی إظهاره إذ من صفاته سبحانه إفاضة الوجود على القوابل بحسب القابلیات على ما تقتضیه الحکمة * (ولکن کانوا أنفسهم یظلمون) * حیث کانت مستعدة بذاتها لذلک فحینئذ یظهر أن إسناد الختم إلیه تعالى باعتبار الإیجاد حقیقة ویحسن الذم لهم به من حیث دلالته على سوء الاستعداد وقبح ما انطوت علیه ذواتهم فی ذلک الناد * (فالبلد الطیب یخرج نباته بإذن ربه والذی خبث لا یخرج إلا نکدا) * وأما ما ذکره المفسرون من أن إسناد الختم إلیه تعالى باعتبار الخلق فمسلم لا کلام لنا فیه، وأما إن الذم باعتبار کون ذلک مسببا عما کسبه الکفار الخ فنقول فیه: إن أرادوا بالکسب ما شاع عند الاشاعرة من مقارنة الفعل لقدرة العبد من غیر تأثیر لها فیه أصلا وإنما المؤثر هو ا تعالى فهو مع مخالفته لمعنى الکسب وکونه * (کسراب بقیعة یحسبه الظمآن ماءا حتى إذا جاءه لم یجده شیئا) * لا یشفى علیلا ولا یروى غلیلا إذ للخصم أن یقول أی معنى لذم العبد بشیء لا مدخل لقدرته فیه إلا کمدخل الید الشلاء فیما فعلته الأیدی السلیمة وحینئذ یتأتى ما قاله الصاحب بن عباد فی هذا الباب: کیف یأمر الله تعالى العبد بالإیمان وقد منعه منه وینهاه عن الکفر وقد حمله علیه، وکیف یصرفه عن الإیمان ثم یقول: * (أتی یصرفون) * ویخلق فیهم الإفک ثم یقول: * (أنی تؤفکون) * وأنشأ فیهم الکفر ثم یقول * (لم تکفرون) * وخلق فیهم لبس الحق بالباطل ثم یقول: * (لم نلبسون الحق بالباطل) * وصدهم عن السبیل ثم یقول: * (لم تصدون عن سبیل الله) * وحال بینهم وبین الإیمان ثم قال: * (وماذا علیهم لو آمنوا) * وذهب بهم عن الرشد ثم قال: * (وأین تذهبون) * وأضلهم عن الدین حتى أعرضوا ثم قال: * (فما لهم عن التذکرة معرضین) *؟!! فإن أجابوا بأن لله أن یفعل ما یشاء ولا یتعرض للاعتراض علیه المعترضون * (لا یسأل عما یفعل وهم یسألون) * قلنا لهم: هذه کلمة حق أرید بها باطل وروضة صدق ولکن لیس لکم منها حاصل لأن کونه تعالى لا یسأل عما یفعل لیس إلا لأنه حکیم لا یفعل ما عنه یسأل وإذا قلتم لا أثر للقدرة الحادثة فی مقدورها کما لا أثر للعلم فی معلومه فوجه مطالبة


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب