|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٤٤
ورد قوله تعالى: * (من المؤمنین رجال) * (الأحزاب: 23) * (ومنهم الذین یؤذون النبی) * (التوبة: 61) لأنه أرید فی الأول الجنس، وفی مرجع الضمیر فی الثانی طائفة معینة من المنافقین، ولما کان فی الآیة تفصیل معنوی لأنه سبحانه ذکر المؤمنین ثم الکافرین ثم عقب بالمنافقین فصار نظیرا للتفصیل اللفظی، وفی قوة تفصیل الناس إلى مؤمن وکافر ومنافق - تضمن الأخبار عمن یقول بأنه من الناس - فائدة، ولک أن تحمله على معنى من یختفی من المنافقین معلوم لنا ولولا أن الستر من الکرم فضحته فیکون مفیدا أیضا وملوحا إلى تهدید ما، وقیل: المراد بکونه من الناس أنهم لا صفة لهم تمیزهم سوى الصورة الإنسانیة، أو المراد التنبیه على أن الصفات المذکورة تنافی الإنسانیة فیتعجب منها أو مناط الفائدة الوجود أی إنهم موجودون فیما بینهم أو إنهم من الناس لا من الجن إذ لا نفاق فیهم، أو المراد بالناس المسلمون والمعنى أنهم یعدون مسلمین أو یعاملون معاملتهم فیما لهم وعلیهم، ولا یخفى ما فی بعض هذه الوجوه من الکلف والتکلف ولکل ساقطة لاقطة، واختار أبو حیان هنا أن تکون * (من) * موصلة مدعیا أنها إنما تکون موصوفة إذا وقعت فی مکان یختص بالنکرة فی الأکثر، وفی غیر ذلک قلیل حتى أن السکاکی على علو کعبه أنکره ولا یخفى ما فیه، ولا یرد على إرادة العهد أنه کیف یدخل المنافقون مطلقا فی الکفرة المصرین المحکوم علیهم بالختم وإن * (ومن الناس) * الآیة وقع عدیلا لأن الذین کفروا بیانا للقسم الثالث المذبذب فلا یدخل فیه لأن المراد بالمنافقین المصممون منهم المختوم علیهم بالکفر کما یدل علیه * (صم بکم عمی فهم لا یرجعون) * (البقرة: 18) لا مطلق المنافقین ولأن اختصاصهم بخلط الخداع والاستهزاء مع الکفر لا ینافی دخولهم تحت الکفرة المصرین؛ وبهذا الاعتبار صاروا قسما ثالثا فالقسمة ثنائیة بحسب الحقیقة ثلاثیة بالاعتبار، وفی قوله تعالى: * (یقول آمنا) * مراعاة للفظ (من) ومعناها ولو راعى الأول فقط لقال آمنت أو الثانی فقط لقال یقولون ولما روعیا جمیعا حسن مراعاة اللفظ أولا إذ هو فی الخارج قبل المعنى والواحد قبل الجمع ولو عکس جاز، وزعم ابن عطیة أنه لا یجوز الرجوع من جمع إلى توحید ویرده قول الشاعر: لست ممن یکع أو یستکینو * ن إذا کافحته خیل الأعادی واقتصر من متعلق الإیمان على الله والیوم الآخر مع أنهم کانوا یؤمنون بأفواههم بجمیع ما جاء به النبی صلى الله علیه وسلم لأنهما المقصود الأعظم من الإیمان إذ من آمن بالله تعالى على ما یلیق بجلال ذاته آمن بکتبه ورسله وشرائعه، ومن علم أنه إلیه المصیر استعد لذلک بالأعمال الصالحة، وفی ذلک إشعار بدعوى حیازة الإیمان بطرفیه المبدأ والمعاد وما طریقه العقل والسمع ویتضمن ذلک الإیمان بالنبوة أو أن تخصیص ذلک بالذکر للایذان بأنهم یبطنون الکفر فیما لیسوا فیه منافقین فی الجملة لأن القوم فی المشهور کانوا یهودا وهم مخلصون فی أصل الإیمان بالله والیوم الآخر على ظنهم، ومع ذلک کانوا ینافقون فی کیفیة الإیمان بهما ویرون المؤمنین أن إیمانهم بهما مثل إیمانهم فکیف فیما یقصدون به النفاق المحض ولیسوا مؤمنین به أصلا کنبوة نبینا صلى الله علیه وسلم والقرآن أو أنهم قصدوا بتخصیص الإیمان بهما التعرض بعدم الإیمان بخاتم الرسل صلى الله علیه وسلم وما بلغه ففی ذلک بیان لمزید خبثهم، وهذا لو قصد حقیقته حینئذ لم یکن إیمانا لأنه لا بد من الإقرار بما جاء به صلى الله علیه وسلم فکیف وهو مخادعة وتلبیس؟! وقیل: إنه لما کان غرضهم المبالغة فی خلوص إسلامهم بأنهم ترکوا عقائدهم التی کانوا علیها فی المبدأ والمعاد واعترفوا أنهم کانوا فی ضلال خصوا إیمانهم بذلک لأنهم کانوا قائلین بسائر الأصول، وأما النبوة فلیس فی الإیمان بها اعتراف بذلک، وأیضا ترک
|