|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٤۵
الراسخ فی القلب مما علیه الإباء بترک الإیمان به صلى الله علیه وسلم من المسلمات فکأنهم لم یتعرضوا له للإشارة إلى أنه مما لا شبهة فی أنهم معتقدون له بعد اعتقادهم ما هو أشد منه علیهم - وحمل * (بالله وبالیوم الآخر) * على القسم منهم على الإیمان - سمج بالله، وأسمج منه بمراتب حمله على القسم منه تعالى على عدم إیمانهم بتقدیر ما آمنوا * (وما هم بمؤمنین) * فیجب أن یکون الباء صلة الإیمان وکررت مبالغة فی الخدیعة والتلبیس بإظهار أن إیمانهم تفصیلی مؤکد قوی. والیوم الآخر یحتمل أن یراد به الوقت الدائم من الحشر بحیث لا یتناهى أو ما عینه الله تعالى منه إلى استقرار کل من المؤمنین والکافرین فیما أعد له، وسمی آخرا لأنه آخر الأوقات المحدودة والأشبه هو الأول لأن إطلاق الیوم شائع علیه فی القرآن سواء کان حقیقة أو مجازا ولأن الإیمان به یتضمن الإیمان بالثانی لدخوله فیه من غیر عکس، نعم المناسب للفظ الیوم لغة هو الثانی لمحدودیته وهو على کل تقدیر مغایر لما عند الناس لأن الیوم عرفا من طلوع الشمس إلى غروبها وشرعا على الصحیح من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب، واصطلاحا من نصف النهار إلى نصف النهار والأمر وراء ذلک، وسیأتی لذلک تتمة، وفی قوله سبحانه: * (وما هم بمؤمنین) * حیث قدم الفاعل وأولى حرف النفی رد لدعوى أولئک المنافقین على أبلغ وجه لأن انخراطهم فی سلک المؤمنین من لوازم ثبوت الإیمان الحقیقی لهم وانتفاء اللازم أعدل شاهد على انتفاء الملزوم، وقد بولغ فی نفی اللازم بالدلالة على دوامه المستلزم لانتفاء حدوث الملزوم مطلقا، وأکد ذلک النفی بالباء أیضا وهذا سبب العدول عن الرد بما آمنوا المطابق لصدر الکلام، وبعضهم یجری الکلام على التخصیص وأن الکفار لما رأوا أنفسهم أنهم مثل المؤمنین فی الإیمان الحقیقی وادعوا موافقتهم قیل فی جوابهم: * (وماهم بمؤمنین) * على قصر الإفراد والذوق یبعده، وإطلاق الوصف للإشارة إلى العموم وأنهم لیسوا من الإیمان فی شیء، وقد یقید بما قید به سابقه لأنه واقع فی جوابه إلا أن نفی المطلق یستلزم نفی المقید فهو أبلغ وأوکد. وفی هذه الآیة دلالة على أن من لم یصدق بقلبه لا یکون مؤمنا، وأما على أن من أقر بلسانه ولیس فی قلبه ما یوافقه أو ینافیه لیس بمؤمن فلا لوجود المنافی فی المنافق هنا لأنه من المختوم على قلبه أو لأن الله تعالى کذبه ولیس إلا لعدم مطابقة التصدیق القلبی للسانی کذا قیل، ودقق بعضهم مدعیا أن من یجعل الإیمان الإقرار اللسانی سواء یشترط الخلو عن الانکار والتکذیب أم لا یشترط أن یکون الإقرار بالشهادتین ولا یکفی عنده نحو آمنت بالله وبالیوم الآخر لأن المدار على النطق بهما کما ورد فی الصحیح حتى اشترط بعضهم لفظ اشهد، والاسم الخاص به تعالى واسم محمد صلى الله علیه وسلم فلیس فی الآیة حینئذ دلیل على إبطال مذهب الکرامیة بوجه فلیتدبر. * (یخادعون الله والذین ءامنوا وما یخدعون إلا أنفسهم وما یشعرون) * أصل الخدع بفتح الخاء وکسرها الإخفاء والإیهام، وقیل: بالکسر اسم مصدر، ومنه المخدع للخزانة والأخدعان لعرقین خفیین فی موضع المحجمة وخدع الضب إذا توارى واختفى ویستعمل فی إظهار ما یوهم السلامة وإبطال ما یقتضی الإضرار بالغیر أو التلخص منه کما قاله الإمام، وقال السید: هو أن یوهم صاحبه خلاف ما یرید به من المکروه وتصیبه به، وفی " الکشف " التحقیق أن الخدع صفة فعلیة قائمة بالنفس عقیب استحضار مقدمات فی الذهن متوصل بها توصلا
|