تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٤٦   

یستهجن شرعا أو عقلا أو عادة إلى استجرار منفعة من نیل معروف لنفسه أو إصابة مکروه لغیره مع خفائهما على الموجه نحوه القصد بحیث لا یتأتى ذلک النیل أو الإصابة بدونه أو لو تأتى لزم فوت غرض آخر حسب تصوره وعلیه یکون الحرب خدعة مجازا ولا تخفى غرابته. والمخادعة مفاعلة، والمعروف فیها أن یفعل کل أحد بالآخر مثل ما یفعله به فیقتضی أن یصدر من کل واحد من الله ومن المؤمنین ومن المنافقین فعل یتعلق بالآخر، وظاهر هذا مشکل لأن الله سبحانه لا یخدع ولا یخدع، أما على التحقیق لأنه غنی عن کل نیل وإصابة واستجرار منفعة لنفسه وهو أیضا متعال على التعمل واستحضار المقدمات ولأنه جل عن أن یحوم حول سرادقات جلاله نقص الانفعال وخفاء معلوم ما علیه، وأما على ما ذکره السید فلأنه جل شأنه أجل من أن تخفى علیه خافیة أو یصیبه مکروه فکیف یمکن للمنافقین أن یخدعوه ویوقعوا فی علمه خلاف ما یریدون من المکروه ویصیبونه به مع أنهم لکونهم من أهل الکتاب عالمون باستحالة ذلک، والعاقل لا یقصد ما تحقق لدیه امتناعه، وأما أنه لا یخدع فلأنه وإن جاز عندنا أن یوقع سبحانه فی أوهام المنافقین خلاف ما یریده من المکاره لیغتروا ثم یصیبهم به لکن یمتنع أن ینسب إلیه لما یوهمه من أنه إنما یکون عن عجز عن المکافحة وإظهار المکتوم لأنه المعهود منه فی الإطلاق - کما فی " الانتصاف " - ولذا زید فی تفسیره مع استشعار خوف أو استحیاء من المجاهرة، وأما المؤمنون وإن جاز أن یخدعوا إلا أنه یبعد أن یقصدوا خدع المنافقین لأنه غیر مستحسن بل مذموم مستهجن وهی أشبه شیء بالنفاق وهم فی غنى عنه على أن الانخداع المتمدح به هو التخادع بمعنى إظهار التأثر دونه کرما کما یشیر إلیه قوله صلى الله علیه وسلم: " المؤمن غر کریم " لا الانخداع الدال على البله، ولذا قالت عائشة فی عمر رضی الله تعالى عنهما: کان أعقل من أن یخدع وأفضل من أن یخدع، ویجاب عن ذلک بأن صورة صنیعهم مع الله تعالى حیث یتظاهرون بالإیمان وهم کافرون، وصورة صنیع الله تعالى معهم حیث أمر بإجراء أحکام المسلمین علیهم وهم عند أهل الدرک الأسفل، وصورة صنیع المؤمنین معهم حیث امتثلوا أمر الله تعالى فیهم فأجروا ذلک علیهم تشبه صورة المخادعة ففی الکلام إما استعارة تبعیة فی * (یخادعون) * وحده أو تمثیلیة فی الجملة وحیث إن ابتداء الفعل فی باب المفاعلة من جانب الفاعل صریحا وکون المفعول آتیا بمثل فعله مدلول علیه من عرض الکلام حسن إیراد ذلک فی معرض الذم لما أسند إلیه الفعل صریحا وکون مقتضى المقام إیراد حالهم خاصة - کما قاله مولانا مفتی الدیار الرومیة - مما لا یخدش هذا الوجه الحسن أو یجاب - کما قیل - بأن المراد مخادعة رسول الله صلى الله علیه وسلم وأوقع الفعل على غیر ما یوقع علیه للملابسة بینهما وهی الخلافة فهناک مجاز عقلی فی النسبة الإیقاعیة وهذا ظاهر على رأی من یکتفی بالملابسة بین ما هو له وغیر ما هو له، وأما على رأی من یعتبر ملابسة الفعل بغیر ما هو له بأن یکون من معمولاته فلا، على أنه یبقى من الإشکال أن لا خدع من الرسول والمؤمنین ولا مجال لأن یکون الخدع من أحد الجانبین حقیقة ومن الآخر مجازا لاتحاد اللفظ وکأن المجیب إما قائل بجواز الجمع بین الحقیقة والمجاز أو غیر قائل بامتناع صدور الخدع من الرسول والمؤمنین حتى یتأتى لهم ما یریدون من إعلاء الدین ومصالح المسلمین. وقرأ ابن مسعود رضی الله تعالى عنه وأبو حیوة (یخدعون) والجواب عما یلزم هو الجواب فیما یلزم، وقد تأتی


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب