تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٤۷   

فاعل بمعنى فعل کعافانی الله تعالى وعاقبت اللص فلا بعد فی حمل قراءة الجمهور على ذلک ویکون إیثار صیغة المفاعلة لإفادة المبالغة فی الکیفیة فإن الفعل متى غولب فیه بولغ به أو فی الکمیة کما فی الممارسة والمزاولة فإنهم کانوا مداومین على الخدع و * (یخادعون) * إما بیان لیقول لا على وجه العطف إذ لا یجری عطف البیان فی الجمل عند النحاة وإن أوهمه کلام أهل المعانی وإما استئناف بیانی کأنه قیل لم یدعون الإیمان کاذبین وماذا نفعهم؟ فقیل یخادعون الخ، وهذا فی المآل کالأول ولعل الأول أولى.
وجوز أبو حیان کون هذه الجملة بدلا من صلة من بدل اشتمال أو حالا من الضمیر المستکن فی یقول أی مخادعین، وأبو البقاء أن یکون حالا من الضمیر المستتر فی مؤمنین، ولعل النفی متوجه للمقارنة لا لنفس الحال - کما فی ما جاءنی زید، وقد طلع الفجر - * (وما کان الله لیعذبهم وأنت فیهم وما کان الله معذبهم وهم یستغفرون) * (الأنفال: 33) على أنه قد تجعل الحال ونحوها فی مثل ذلک قیدا للنفی لا للمنفی کما قرروه فی - لم أبالغ - فی اختصاره تقریبا، وجعل الجملة صفة للمؤمنین ممنوع لمکان النفی والقید ولیست حال الصفة کصفة الحال فلا عجب فی تجویز إحداهما ومنع الأخرى کما توهمه أبو حیان فی " بحره "، نعم التعجب من کون الجملة بیانا للتعجب من کونهم من الناس کما لا یخفى. ثم إن الغرض من مخادعة هؤلاء لمن خادعوه کالغرض من نفاقهم طبق النعل بالنعل فقد قصدوا تعظیمهم عند المؤمنین والتطلع على أسرارهم لیفشوها ورفع القتل عنهم أو ضرب الجزیة علیهم والفوز بسهم من الغنائم ونحو ذلک وثمرة مخادعة من خادعوه إیاهم إن کانت حکم إلهیة ومصالح دینیة ربما یؤدی ترکها إلى مفاسد لا تحصى ومحاذیر لا تستقصى، وقرأ الحرمیان وأبو عمرو: * (وما یخادعون) *، وقرأ باقی السبعة: * (وما یخدعون) * وقرأ الجارود وأبو طالوت: * (وما یخدعون) * بضم الیاء مبنیا للمفعول. وقرأ بعضهم: * (وما یخادعون) * بفتح الدال مبنیا للمفعول أیضا وقرأ قتادة والعجلی: * (وما یخدعون) * من خدع مضاعفا مبنیا للفاعل، وبعضهم بفتح الیاء والخاء وتشدید الدال المکسورة وما عدا القراءتین الأولیین شاذة وعلیهما نصب أنفسهم على المفعولیة الصرفة أو مع الفاعلیة معنى، وأما على قراءة بناء الفعل للمفعول فهو إما على إسقاط الجار أی فی أنفسهم أو عن أنفسهم أو على التمییز على رأی الکوفیین أو التشبیه بالمفعول على زعم بعضهم أو على أنه مفعول بتضمین الفعل یتنقصون مثلا، ولا یشکل على قراءة (یخادعون) أنه کیف یصح حصر الخداع على أنفسهم، وذلک یقتضی نفیه عن الله تعالى والمؤمنین، وقد أثبت أولا، وإن المخادعة إنما تکون فی الظاهر بین اثنین فکیف یخادع أحد نفسه لأنا نقول المراد أن دائرة الخداع راجعة إلیهم وضررها عائد علیهم فالخداع هنا هو الخداع الأول والحصر باعتباره أن ضرره عائد إلى أنفسهم فتکون العبادة الدالة علیه مجازا أو کنایة عن انحصار ضررها فیهم أو نجعل لفظ الخداع مجازا مرسلا عن ضرره فی المرتبة الثانیة، وکونه مجازا باعتبار الأول کما قاله السعد غیر ظاهر. وقد یقال إنهم خدعوا أنفسهم لما غروها بذلک وخدعتهم حیث حدثتهم بالأمانی الخالیة، فالمراد بالخداع غیر الأول. والمخادع والمخادع متغایران بالاعتبار فالخداع على هذا مجاز عن إیهام الباطل وتصویره بصورة الحق، وحمله على حقیقته بعید وکون ذلک من التجرید کقوله:
لا خیل عندک تهدیها ولا مال * فلیسعد النطق إن لم یسعد الحال
لا یرتضیه الذوق السلیم کالقول بأن الکلام من باب المبالغة فی امتناع خداعهم لله تعالى وللمؤمنین لأنه کما لا یخفى خداع المخادع لنفسه فیمتنع خداعه لها یمتنع خداع الله تعالى لعلمه والمؤمنون لاطلاعهم باعلامه تعالى أو الکنایة عن أن مخالفتهم ومعاداتهم لله تعالى وأحبابه معاملة مع أنفسهم لأن الله تعالى والمؤمنین ینفعونهم کأنفسهم،



«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب