تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۱٤۸   

وبعضهم یجعل التعبیر هنا بالمخادعة للمشاکلة مع کون کل من المشاکل والمشاکل مجازا وکل یعمل على شاکلته.
والنفس حقیقة الشیء وعینه ولا اختصاص لها بالأجسام لقوله تعالى: * (کتب على نفسه الرحمة) * (الأنعام: 12) * (ویحذرکم الله نفسه) * (آل عمران: 28) وتطلق على الجوهر البخاری اللطیف الحال لقوة الحیاة والحس والحرکة الإرادیة وسماها الحکیم الروح الحیوانیة وأول عضو تحله القلب إذ هو أول ما یخلق على المشهور، ومنه تفیض إلى الدماغ والکبد وسائر الأعضاء ولا یلزم من ذلک أن یکون منبت الأعصاب إذ من الجائز أن یکون العضو المستفید منبتا لآلة الاستفادة، وقیل: الدماغ لأنه المنبت ولم تقم دلالة قطعیة على ذلک کما فی " شرح القانون " للإمام الرازی وکثیرا ما تطلق على الجوهر المجرد المتعلق بالبدن تعلق التدبیر والتصرف وهی الروح الأمریة المرادة فی (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وتسمى النفس الناطقة وبتنوع صفاتها تختلف أسماؤها وأحظى الأعضاء بإشراق أنوارها المعنویة القلب أیضا ولذلک الشرف قد یسمى نفسا، وبعضهم یسمی الرأی بها، والظاهر فی الآیة على ما قیل: المعنى الأول إذ المقصود بیان أن ضرر مخادعتهم راجع إلیهم ولا یتخطاهم إلى غیرهم ولیس بالمتعین کما لا یخفى، وتطلق على معان أخر ستسمعها مع تحقیق هذا المبحث إن شاء الله تعالى. وجملة * (وما یشعرون) * مستأنفة أو معطوفة على * (وما یخدعون إلا أنفسهم) * ومفعول * (یشعرون) * محذوف أی: وما یشعرون أنهم یخدعونها أو أن الله یعلم ما یسرون وما یعلنون أو إطلاع الله تعالى نبیه صلى الله علیه وسلم على خداعهم وکذبهم کما روی ذلک عن ابن عباس أو هلاک أنفسهم وإیقاعها فی الشقاء الأبدی بکفرهم ونفاقهم کما روی عن زید، أو المراد لا یشعرون بشیء، ویحتمل کما فی " البحر " أن یکون * (وما یشعرون) * جملة حالیة أی: وما یخدعون إلا أنفسهم غیر شاعرین بذلک ولو شعروا لما خادعوا، والشعور الادراک بالحواس الخمس الظاهرة ویکون بمعنى العلم، قال الراغب: شعرت کذا یستعمل بوجهین بأن یؤخذ من مس الشعر ویعبر به عن اللمس؛ ومنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قیل: فلان لا یشعر فذلک أبلغ فی الذم من أنه لا یسمع ولا یبصر لأن حس اللمس أعم من حس السمع والبصر، وتارة یقول: شعرت کذا أی أدرکت شیئا دقیقا من قولهم شعرته أی أصبت شعره نحو أذنته ورأسته وکان ذلک إشارة إلى قولهم فلان یشق الشعر إذا دق النظر؛ ومنه أخذ الشاعر لإدراک دقائق المعانی انتهى. والآیة تحتمل نفی الشعور بمعنى العلم فمعنى * (لا یشعرون) * لا یعلمون وکثیرا ما ورد بهذا المعنى، وفی اللحاق نوع إشارة إلیه، ویحتمل نفیه بمعنى الإدراک بالحواس فیجعل متعلق الفعل کالمحسوس الذی لا یخفى إلا على فاقد الحواس، ونفی ذلک نهایة الذم لأن من لا یشعر بالبدیهی المحسوس مرتبته أدنى من مرتبة البهائم فهم کالأنعام بل هم أضل. ولعل هذا أولى لما فیه من التهکم بهم مع الدلالة على نفی العلم بالطریق الأولى، وهو أیضا أنسب بقوله تعالى: * (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) * (البقرة: 7) کما لا یخفى.
* (فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب ألیم بما کانوا یکذبون) *
المرض بفتح الراء کما قرأ الجمهور، وبسکونها کما قرأ الأصمعی عن أبی عمر وعلى ما ذهب إلیه أهل اللغة حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل، وعند الأطباء ما یقابل الصحة وهی الحالة التی تصدر عنها الأفعال سلیمة، والمراد من الأفعال ما هو متعارف وهی إما طبیعیة کالنمو أو حیوانیة کالنفس أو نفسانیة کجودة الفکر، فالحول والحدب مثلا مرض عندهم دون أهل اللغة وقد یطلق المرض لغة على أثره وهو الألم کما قاله جمع ممن یوثق بهم، وعلى الظلمة کما فی قوله:



«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب