|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٤۹
فی لیلة مرضت من کل ناحیة * فما یحس بها نجم ولا قمر وعلى ضعف القلب وفتوره کما قاله غیر واحد ویطلق مجازا على ما یعرض المرء مما یخل بکمال نفسه کالبغضاء والغفلة وسوء العقیدة والحسد وغیر ذلک من موانع الکمالات المشابهة لاختلال البدن المانع عن الملاذ والمؤدیة إلى الهلاک الروحانی الذی هو أعظم من الهلاک الجسمانی، والمنقول عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر السلف الصالح حمل المرض فی الآیة على المعنى المجازی. ولا شک أن قلوب المنافقین کانت ملأى من تلک الخبائث التی منعتهم مما منعتهم وأوصلتهم إلى الدرک الأسفل من النار. ولا مانع عند بعضهم أن یحمل المرض أیضا على حقیقته الذی هو الظلمة * (ومن لم یجعل الله له نورا فما له من نور) * (النور: 40) * (والذین کفروا أولیاؤهم الطاغوت یخرجونهم من النور إلى الظلمات) * (البقرة: 257) وکذا على الألم فإن فی قلوب أولئک ألما عظیما بواسطة شوکة الإسلام وانتظام أمورهم غایة الانتظام، فالآیة على هذا محتملة للمعنیین ونصب القرینة المانعة فی المجاز إنما یشترط فی تعیینه دون احتماله فإذا تضمن نکتة ساوى الحقیقة فیمکن الحمل علیهما نظرا إلى الأصالة والنکتة إلا أنه یرد هنا أن الألم مطلقا لیس حقیقة المرض بل حقیقته الألم لسوى المزاج وهو مفقود فی المنافقین والقول بأن حالهم التی هم علیها تفضی إلیه فی غایة الرکاکة على أن قلوب أولئک لو کانت مریضة لکانت أجسامهم کذلک أو لکان الحمام عاجلهم ویشهد لذلک الحدیث النبوی والقانون الطبی، أما الأول: فلقولهصلى الله علیه وسلم: " إن فی الجسد مضغة " الحدیث، وأما الثانی: فلأن الحکماء بعد أن بینوا تشریح القلب قالوا إذا حصلت فیه مادة غلیظة فإن تمکنت منه ومن غلافه أو من أحدهما عاجلت المنیة صاحبه وإن لم تتمکن تأخرت الحیاة مدة یسیرة ولا سبیل إلى بقائها مع مرض القلب، فالأولى درایة وروایة حمله على المعنى المجازی - ومنه الجبن والخور - وقد داخل ذلک قلوب المنافقین حین شاهدوا من رسول الله صلى الله علیه وسلم والمؤمنین ما شاهدوا. والتنوین للدلالة على أنه نوع غیر ما یتعارفه الناس من الأمراض، ولم یجمع کما جمع القلوب لأن تعداد المحال یدل على تعداد الحال عقلا فاکتفى بجمعها عن جمعه. والجملة الأولى إما مستأنفة لبیان الموجب لخداعهم وما هم فیه من النفاق أو مقررة لما یفیده * (وما هم بمؤمنین) * (البقرة: 8) من استمرار عدم إیمانهم أو تعلیل له کأنه قیل: ما بالهم لا یؤمنون؟ فقال: فی قلوبهم مرض یمنعه أو مقررة لعدم الشعور وإن کان سبیل قوله: * (وما یشعرون) * سبیل الاعتراض على ما قیل وجملة * (فزادهم الله مرضا) * إما دعائیة معترضة بین المعطوف والمعطوف علیه والمعترضة قد تقرت بالفاء کما فی قوله: واعلم فعلم المرء ینفعه * أن سوف یأتی کلما قدرا کما صرح به فی " التلویح " وغیره نقلا عن النحاة أو إخباریة معطوفة على الأولى وعطف الماضی على الاسمیة لنکتة إن أرید فی الأولى أن ذلک لم یزل غضا طریا إلى زمن الأخبار، وفی الثانیة أن ذلک سبب لازدیاد مرضهم المحقق إذ لولا تدنس فطرتهم لازدادوا بما من الله تعالى به على المؤمنین شفاء ولا یتکرر هذا مع قوله تعالى: * (یمدهم فی طغیانهم) * (البقرة: 15) للفرق بین زیادة المرض وزیادة الطغیان على أنه لا مانع من زیادة التوکید مع بعد المسافة، وأیضا الدعاء إن لم یکن جاریا على لسان العبد أو مرادا به مجرد السب والتنقیص یکون إیجابا منه سبحانه فیؤول إلى ما آل إلیه الأخبار وزیادة الله تعالى مرضهم إما بتضعیف حسدهم بزیادة نعم الله تعالى على رسوله صلى الله علیه وسلم والمؤمنین أو ظلمة قلوبهم بتجدد کفرهم بما ینزله سبحانه شیئا فشیئا من الآیات والذکر الحکیم فهم فی ظلمات بعضها فوق بعض أو بتکثیر خوفهم ورعبهم المترتب علیه ترک مجاهرتهم بالکفر بسبب
|