|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۱۵٦
فی نسبتهم السفاهة إلى المؤمنین لإیمانهم فلا توریة ولا نفاق، ولعله لما رأى صیغة الماضی زاد فی بیان المعنى لو آمنوا، ولا أدری من أین أتى به. ولا یصلح العطار ما أفسد الدهر. فالأهون بعض هاتیک الوجوه، وقوله: إن إبراز ما صدر عن أحد المتحاورین فی الخلاء فی معرض ما جرى بینهما فی مقام المحاورة مما لا عهد به فی الکلام فضلا عما هو فی منصب الإعجاز لا یخفی ما فیه على من اطلع على محاورات الناس قدیما وحدیثا والله یقول الحق وهو یهدی السبیل. * (ألا إنهم هم السفهآء ولاکن لا یعلمون) * رد وأشنع تجهیل حسبما أشیر إلیه فیما سلف، وإنما قال سبحانه هنا: * (لا یعلمون) * وهناک * (لا یشعرون) * (البقرة: 12) لأن المثبت لهم هناک هو الإفساد وهو مما یدرک بأدنى تأمل ولا یحتاج إلى کثیر فکر، فنفى عنهم ما یدرک بالمشاعر مبالغة فی تجهیلهم، والمثبت هنا السفه والمصدر به الأمر بالإیمان وذلک مما یحتاج إلى نظر تام یفضی إلى الإیمان والتصدیق ولم یقع منهم المأمور به فناسب ذلک نفی العلم عنهم، ولأن السفه خفة العقل والجهل بالأمور على ما قیل فیناسبه أتم مناسبة نفی العلم، وهذا مبنی على ما هو الظاهر فی المفعول وعلى غیر الظاهر غیر ظاهر فتدبر. ثم اعلم أنه إذا التقت الهمزتان والأولى مضمومة والثانیة مفتوحة من کلمتین نحو السفهاء، ألا ففی ذلک أوجه. تحقیق الهمزتین وبذلک قرأ الکوفیون وابن عامر وتحقیق الأولى وتخفیف الثانیة بإبدالها واوا وبذلک قرأ الحرمیان وأبو عمرو. وتسهیل الأولى بجعلها بین الهمزة والواو. وتحقیق الثانیة وتسهیل الأولى وإبدال الثانیة واوا، وأجاز قوم جعل الهمزتین بین بین ومنعه آخرون. * (وإذا لقوا الذین ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شیاطینهم قالوا إنا معکم إنما نحن مستهزءون) * * (وإذا لقوا الذین ءامنوا قالوا ءامنا) * بیان لدأب المنافقین وأنهم إذا استقبلوا المؤمنین دفعوهم عن أنفسهم بقولهم آمنا استهزاء فلا یتوهم أنه مکرر مع أول القصة لأنه إبداء لخبثهم ومکرهم وکشف عن إفراطهم فی الدعارة وادعاء أنهم مثل المؤمنین فی الإیمان الحقیقی وأنهم أحاطوه من جانبیه على أنه لو لم یکن هذا لا ینبغی أن یتوهم تکرار أیضا لأن المعنى ومن الناس من یتفوه بالإیمان نفاقا للخداع وذلک التفوه عند لقاء المؤمنین ولیس هذا من التکرار بشیء لما فیه من التقیید وزیادة البیان وأنهم ضموا إلى الخداع الاستهزاء، وأنهم لا یتفوهون بذلک إلا عند الحاجة، والقول بأن المراد ب * (آمنا) * أولا الإخبار عن إحداث الإیمان وهنا عن إحداث إخلاص الإیمان مما ارتضاه الإمام ولا أقتدی به وتأییده له بأن الإقرار اللسانی کان معلوما منهم غیر محتاج للبیان وإنما المشکوک الإخلاص القلبی فیجب إرادته یدفعه النظر من ذی ذوق فیما حررناه، واللقاء استقبال الشخص قریبا منه وهو أحد أربعة عشر مصدرا للقی، وقرأ أبو حنیفة وابن السمیقع (لاقوا)، وجعله فی " البحر " بمعنى الفعل المجرد، وحذف المفعول فی (آمنا) قیل اکتفاء بالتقیید قبل * (بالله وبالیوم الآخر) * (البقرة: 8) وقیل: المراد آمنا بما آمنتم به، وأبعد من قال أرادوا الإیمان بموسى علیه السلام دون غیره وحذفوا توریة منهم وإیهاما. هذا ولم یصح عندی فی سبب نزول هذه الآیة شیء، وأما ما ذکره الزمخشری والبیضاوی ومولانا مفتی الدیار الرومیة وغیرهم فهو من طریق السدی الصغیر وهو کذاب، وتلک السلسلة سلسلة الکذب لا سلسلة الذهب، وآثار الوجه لائحة على ما ذکروه فلا یعول علیه ولا یلتفت بوجه إلیه. * (وإذا خلوا إلى شیاطینهم) * من خلوت به وإلیه إذا انفردت معه أو من قولهم فی المثل: اطلب الأمر وخلاک ذم أی عداک ومضى عنک ومنه * (قد خلت من قبلکم سنن) * آل عمران: 137) وعلى الثانی المفعول الأول ههنا محذوف لعدم تعلق الغرض به أی إذا خلوهم، وتعدیته إلى المفعول الثانی ب * (إلى) * لما فی المضی عن الشیء معنى الوصول إلى الآخر واحتمال أن یکون من خلوت به أی سخرت منه، فمعنى الآیة إذا أنهوا السخریة معهم
|