تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲٠۹   

أن إرادته سبحانه لأفعاله أنه یفعلها عالما بها وبما فیها من المصلحة، ولأفعال غیره أنه أمر بها وطلبها، فالمعاصی إذا لیست بإرادته جل شأنه، ونحو ما شاء الله کان وما لم یشأ لم یکن وارد علیهم؛ والجاحظ وبعض المعتزلة والحکماء على أن إرادته تعالى شأنه علمه بجمیع الموجودات من الأزل إلى الأبد وبأنه کیف ینبغی أن یکون نظام الوجود حتى یکون على الوجه الأکمل، ویکفیه صدوره عنه حتى یکون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النظام من غیر قصد وطلب شوقی، ویسمون هذا العلم عنایة؛ وذهب الکرامیة وأبو علی وأبو هاشم إلى أنها صفة زائدة على العلم إلا أنها حادثة قائمة بذاته عز شأنه عند الکرامیة، وموجودة لا فی محل عند الأبوین، والمذهب الحق أنها ذاتیة قدیمة وجودیة زائدة على العلم ومغایرة له وللقدرة، مخصصة لأحد طرفی المقدور بالوقوع، وکونها نفس الترجیح الذی هو من صفات الأفعال کما قال البیضاوی عفا الله تعالى عنه لم یذهب إلیه أحد. وفی کلمة (هذا) استحقار للمشار إلیه مثلها فی: * (أهذا الذی بعث الله رسولا) * (الفرقان: 41) وقد تکون للتعظیم بحسب اقتضاء المقام، و * (مثلا) * نصب على التمییز عن نسبة الاستغراب ونحوه إلى المشار إلیه. وقد ذکر الرضى والعهدة علیه أن الضمیر واسم الإشارة إذا کانا مبهمین یجىء التمییز عنهما والعامل هما لتمامیهما بنفسهما حیث یمتنع إضافتهما، وإذا کانا معلومین فالتمییز عن النسبة، ویحتمل أن یکون حالا من اسم الله تعالى أو من (هذا) أی ممثلا أو ممثلا به أو بضربه.
* (یضل به کثیرا ویهدی به کثیرا) * جملتان جاریتان مجرى البیان، والتفسیر للجملتین المصدرتین بأما إذ یشتملان على أن کلا الفریقین موصوف بالکثرة وعلى أن العلم بکونه حقا من الهدى الذی یزداد به المؤمنون نورا إلى نورهم، والجهل بموقعه من الضلالة التی یزداد بها الجهال خبطا فی ظلمتهم، وهاتان یزیدان ما تضمنتاه وضوحا أو أنهما جواب لدفع ما یزعمونه من عدم الفائدة فی ضرب الأمثال بالمحقرات ببیان أنه مشتمل على حکمة جلیلة وغایة جمیلة هی کونه وسیلة إلى هدایة المستعدین للهدایة وإضلال المنهمکین فی الغوایة، وصرح بعضهم بأنهما جواب لماذا ووضع الفعلان موضع المصدر للإشعار بالاستمرار التجددی والمضارع یستعمل له کثیرا، ففی التعبیر به هنا إشارة إلى أن الإضلال والهدایة لا یزالان یتجددان ما تجدد الزمان، قیل: ووضعهما موضع الفعل الواقع فی الاستفهام مبالغة فی الدلالة على تحققهما فإن أرادتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافیا عن نظم الإضلال مع الهدایة فی سلک الإرادة لإیهامه تساویهما فی التعلق ولیس کذلک، فإن المراد بالذات من ضرب المثل هو التذکیر والاهتداء کما یشیر إلیه قوله تعالى: * (وتلک الأمثال نضربها للناس لعلهم یتفکرون) * (الحشر: 21) وأما الإضلال فعارض مترتب على سوء الاختیار، وقدم فی النظم الإضلال على الهدایة مع سبق الرحمة على الغضب، وتقدمها بالرتبة والشرف لأن قولهم ناشىء من الضلال مع أن کون ما فی القرآن سببا له أحوج للبیان لأن سببیته للهدى فی غایة الظهور، فالاهتمام ببیانه أولى، ووصف کل من القبیلتین بالکثرة بالنظر إلى أنفسهم وإلا فالمهتدون قلیلون بالنسبة إلى أهل الضلال وبعید حمل کثرة المهتدین على الکثرة المعنویة بجعل کثرة الخصائص اللطیفة بمنزلة کثرة الذوات الشریفة کما قیل: ولم أر أمثال الرجال تفاوتت * لدى المجد حتى عد ألف بواحد لا سیما وقد ذکر معها الکثرة الحقیقیة، هذا وجوز بعضهم أن یکون قوله تعالى: * (یضل به کثیرا) * الخ فی موضع الصفة لمثل فهو من کلام الکفار، ولعله من باب المماشاة مع المؤمنین إذ هم لیسوا بمعترفین بأن هذا المثل یضل الله به کثیرا ویهدی به کثیرا وأغرب من هذا تجویز ابن عطیة أن یکون * (یضل به کثیرا) * من کلام


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب