تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۲۷۲   

العیون، وقیل: المراد به الماء وحده لأنه یشرب ویؤکل مما ینبت منه ویضعفه أنه لم یکن أکلهم فی التیه من زروع ذلک الماء کما یشیر إلیه قوله تعالى: * (یخرج لنا مما تنبت الأرض) * (البقرة: 61) و * (لن نصبر على طعام واحد) * (البقرة: 61) ویلزم علیه أیضا الجمع بین الحقیقة والمجاز إذ یؤول إلى - کلوا واشربوا - من الماء، ویکون نسبة الشرب إلیه بإرادة ذاته، والأکل بإرادة ما هو سبب عنه، أو القول بحذف متعلق أحد الفعلین أی کلوا من رزق الله واشربوا من رزق الله، وقول بعض المتأخرین إن رزق الله - عبارة عن الماء، وفی الآیة إشارة إلى إعجاز آخر وهو أن هذا الماء کما یروی العطشان یشبع الجوعان فهو طعام وشراب - بعید غایة البعد، وأقرب منه أن لا یکون * (کلوا واشربوا) * بتقدیر القول من تتمة ما یحکى عنهم بل یجعل أمرا مرتبا على ذکرهم ما وقع وقت الاستسقاء على وجه الشکر والتذکیر بقدرة الله تعالى فهو أمر المخاطبین بهذه الحکایة بأکلهم وشربهم مما یرزقهم الله تعالى، وعدم الإفساد بإضلال الخلق، وجمع عرض الدنیا ویکون فصله عما سبق لأنه بیان للشکر المأمور أو نتیجة للمذکور واحتجت المعتزلة بهذه الآیة على أن الرزق هو الحلال لأن أقل درجات هذا الأمر أن یکون للإباحة فاقتضى أن یکون الرزق مباحا فلو وجد رزق حرام لکان الرزق مباحا وحراما، وأنه غیر جائز، والجواب أن الرزق هنا لیس بعام إذا أرید المن والسلوى والماء المنفجر من الحجر، ولا یلزم من حلیة معین ما من أنواع الرزق حلیة جمیع الرزق وعلى تسلیم العموم یلتزم التبعیض * (ولا تعثوا فی الأرض مفسدین) * لما أمروا بالأکل والشرب من رزق الله تعالى ولم یقید ذلک علیهم بزمان ولا مکان ولا مقدار کان ذلک إنعاما وإحسانا جزیلا إلیهم، واستدعى ذلک التبسط فی المأکل والمشرب نهاهم عما یمکن أن ینشأ عن ذلک وهو الفساد حتى لا یقابلوا تلک النعم بالکفران، و - العثی - عند بعض المحققین مجاوزة الحد مطلقا فسادا کان أولا فهو کالاعتداء، ثم غلب فی الفساد، و (مفسدین) على هذا حال غیر مؤکدة وهو الأصل فیها کما یدل علیه تعریفها، وذکر أبو البقاء أن - العثی - الفساد والحال مؤکدة، وفیه أن مجىء الحال المؤکدة بعد الفعلیة خلاف مذهب الجمهور. وذهب الزمخشری أن معناه أشد الفساد والمعنى لا تتمادوا فی الفساد حال إفسادکم، والمقصد النهی عما کانوا علیه من التمادی فی الفساد وهو من أسلوب * (لا تأکلوا الربا أضعافا مضاعفة) * (آل عمران: 130) وإلا فالفساد أیضا منکر منهی عنه، وفیه أنه تکلف مستغنى عنه بما ذکرنا، والمراد من (الأرض) عند الجمهور أرض التیه. ویجوز أن یریدها وغیرها مما قدروا أن یصلوا إلیها فینالها فسادهم، وجوز أن یرید الأرضین کلها، و (أل) لاستغراق الجنس، ویکون فسادهم فیها من جهة أن کثرة العصیان والإصرار على المخالفات والبطر یؤذن بانقطاع الغیث وقحط البلاد ونزع البرکات، وذلک انتقام یعم الأرضین، هذا ثم إن ظاهر القرآن لا یدل على تکرر هذا الاستسقاء ولا الضرب ولا الانفجار فیحتمل أن یکون ذلک متکررا، ویحتمل أن یکون ذلک مرة واحدة والواحدة هی المتحققة. والحکایات فی هذا الأمر کثیرة وأکثرها لا صحة له، وقد أنکر بعض الطبیعیین هذه الواقعة وقال: کیف یعقل خروج الماء العظیم الکثیر من الحجر الصغیر، وهذا المنکر مع أنه لم یتصور قدرة الله تعالى فی تغییر الطبائع والاستحالات فقد ترک النظر على طریقتهم إذ قد تقرر عندهم أن حجر المغناطیس یجذب الحدید والحجر الحلاق یحلق الشعر والحجر الباغض للخل ینفر منه، وذلک کله من أسرار الطبیعة وإذا لم یکن مثل ذلک منکرا عندهم فلیس یمتنع أن یخلق فی حجر آخر قوة جذب الماء من تحت الأرض، ویکون خلق تلک القوة عند ضرب العصا أو عند أمر موسى علیه السلام على ما ورد أنه کان بعد ذلک یأمره، فینفجر ولا ینافیه انفصاله عن الأرض کما وهم، ویحتمل أیضا أن یقلب الله تعالى - بواسطة قوة أودعها فی الحجر - الهواء


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب