|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۷٣
ماء بإزالة الیبوسة عن أجزائه وخلق الرطوبة فیها. والله تعالى على کل شیء قدیر، وحظ العارف من الآیة أن یعرف الروح الإنسانیة وصفاتها فی عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو مستسق ربه لإروائها بماء الحکمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا - لا إله إلا الله - ولها شعبتان من النفی والإثبات تتقدان نورا عند استیلاء ظلمات النفس، وقد حملت من حضرة العزة على حجر القلب الذی هو کالحجارة أو أشد قسوة * (فانفجرت منه اثنتا عشرة عینا) * من میاه الحکمة لأن کلمة - لا إله إلا الله - اثنتا عشرة حرفا فانفجر من کل حرف عین قد علم کل سبط من أسباط صفات الإنسان. وهی اثنا عشر سبطا من الحواس الظاهرة والباطنة، واثنان من القلب والنفس، ولکل واحد منهم مشرب من عین جرت من حرف من حروف الکلمة، و (قد علم) مشربه ومشرب کل واحد حیث ساقه رائده وقاده قائده فمن مشرب عذب فرات. ومشرب ملح أجاج، والنفوس ترد مناهل التقى والطاعات. والأرواح تشرب من زلال الکشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عیون الحقائق بکأس تجلی الصفات عن ساقی * (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) * (الإنسان: 21) للاضمحلال فی حقیقة الذات * (کلوا واشربوا من رزق الله) * بأمره ورضاه * (ولا تعثوا) * فی هذا القالب * (مفسدین) * بترک الأمر واختیار الوزر وبیع الدین بالدنیا وإیثار الأولى على العقبى وتقدیمهما على المولى. * (وإذ قلتم یاموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربک یخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خیر اهبطوا مصرا فإن لکم ما سألتم وضربت علیهم الذلة والمسکنة وبآءوا بغضب من الله ذالک بأنهم کانوا یکفرون بآیات الله ویقتلون النبیین بغیر الحق ذالک بما عصوا وکانوا یعتدون) * * (وإذ قلتم یاموسى لن نصبر على طعام واحد) * الظاهر أنه داخل فی تعداد النعم وتفصیلها وهو إجابة سؤالهم بقوله تعالى: * (اهبطوا) * الخ مع استحقاقهم کمال السخط لأنهم کفروا نعمة إنزال الطعام اللذیذ علیهم وهم فی التیه من غیر کد وتعب حیث سألوا ب * (لن نصبر) * فإنه یدل على کراهیتهم إیاه إذ الصبر حبس النفس فی المضیق، ولذا أنکر علیه بقوله تعالى: * (أتستبدلون) * الخ، فالآیة فی الأسلوب مثل قوله تعالى: * (وإذ قلتم یا موسى لن نؤمن لک) * (البقرة: 55) الخ، حیث عاندوا بعد سماع الکلام وأهلکوا، ثم أفاض علیهم نعمة الحیاة، قال مولانا السالیکوتی: ومن هذا ظهر ضعف ما قال الإمام الرازی - لو کان سؤالهم معصیة لما أجابهم، لأن الإجابة إلى المعصیة معصیة - وهی غیر جائزة على الأنبیاء - وإن قوله تعالى: * (کلوا واشربوا) * (البقرة: 60) أمر إباحة لا إیجاب، فلا یکون سؤالهم غیر ذلک الطعام معصیة، ووصف الطعام بواحد وإن کانا طعامین (المن والسلوى) اللذین رزقوهما فی التیه، إما باعتبار کونه على نهج واحد کما یقال: طعام مائدة الأمیر واحد - ولو کان ألوانا شتى - بمعنى أنه لا یتبدل ولا یختلف بحسب الأوقات، أو باعتبار کونه ضربا واحدا لأن المن والسلوى من طعام أهل التلذذ والسرف، وکأن القوم کانوا فلاحة فما أرادوا إلا ما ألفوه، وقیل: إنهم کانوا یطبخونهما معا فیصیر طعاما واحدا، والقول بأن هذا القول کان قبل نزول السلوى نازل من القول، وأهون منه القول بأنهم أرادوا بالطعام الواحد السلوى لأن المن کان شرابا، أو شیئا یتحلون به، فلم یعدوه طعاما آخر، وإلا نزل القول بأنه عبر بالواحد عن الاثنین کما عبر بالاثنین عن الواحد فی نحو * (یخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) * (الرحمن: 22) وإنما یخرج من أحدهما - وهو الملح دون العذب - * (فادع لنا ربک) * أی سله لأجلنا - بدعائک إیاه - بأن یخرج لنا کذا وکذا - والفاء - لسببیة عدم الصبر للدعاء، ولغة بنی عامر * (فادع) * - بکسر العین - جعلوا - دعا من ذوات الیاء - کرمى، وإنما سألوا من موسى أن یدعو لهم، لأن دعاء الأنبیاء علیهم الصلاة والسلام أقرب للإجابة من دعاء غیرهم، على أن دعاء الغیر للغیر مطلقا أقرب إلیها - فما ظنک بدعاء الأنبیاء لأممهم؟ - ولهذا قال صلى الله علیه وسلم
|