|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۹٦
للوصف ووزن الفعل وهو عطف على الحجارة واعتبار التشبیه حینئذ ظاهر وإنما لم یقل سبحانه وتعالى - أقسى - مع أن فعل القسوة مما یصاغ منه أفعل وهو أخصر ووارد فی الفصیح کقوله: کل خمصانة أرق من الخم * - ر بقلب (أقسى) من الجلمود لما فی أشد المبالغة لأنه یدل على الزیادة بجوهره وهیئته بخلاف أقسى فإن دلالته بالهیئة فقط، وفیه دلالة على اشتداد القسوتین ولو کان أقسى لکان دالا على اشتراک القلوب والحجارة فی القسوة، واشتمال القلوب على زیادة القسوة لا فی شدة القسوة ولیس هذا مثل قولک زید أشد إکراما من عمرو حیث ذکروا أن لیس معناه إلا أنهما مشترکان فی الإکرام وإکرام زید زید على إکرام عمرو لا أنهما مشترکان فی شدة الإکرام، وشدة إکرام زید زائدة على شدة إکرام عمرو للفرق بین ما بنی للتوصل وما بنی لغیره وما نحن فیه من الثانی وإن کان الأول أکثر. والاعتراض - بأن أشد محمول على القلوب دون القسوة - لیس بشیء لأنه محمول علیها بحسب المعنى لکونها تمییزا محولا عن الفاعل أو منقولا عن المبتدأ کما فی " البحر "، ویمکن أن یقال: إن الله تعالى أبرز القساوة فی معرض العیوب الظاهرة تنبیها على أنها من العیوب بل العیب کل العیب ما صد عن عالم الغیب * (فإنها لا تعمى الأبصار ولکن تعمى القلوب التی فی الصدور) * (الحج: 46). * (وإن من الحجارة لما یتفجر منه الأنهار وإن منها لما یشقق فیخرج منه الماء وإن منها لما یهبط من خشیة الله) * تذییل لبیان تفضیل قلوبهم على الحجارة أو اعتراض بین قوله تعالى: * (ثم قست قلوبکم) * وبین الحال عنها وهو * (وما الله بغافل) * لبیان سبب ذلک فإنه لغرابته یحتاج إلى بیان السبب کما فی قوله: فلا هجره یبدو وفی الیأس راحة * ولا وصفه یصفو لنا (فنکارمه) وجعله جملة حالیة مشعرة بالتعلیل یأباه الذوق إذ لا معنى للتقیید، وکونه بیانا وتقریرا من جهة المعنى لما تقدم - مع کونه بحسب اللفظ معطوفا على جملة - هی کالحجارة أو أشد - کما قاله العلامة - مما لا یظهر وجهه لأنه إذا کان بیانا فی المعنى کیف یصح عطفه ویترک جعله بیانا، والمعنى إن الحجارة تتأثر وتنفعل، وقلوب هؤلاء لا تتأثروا لا تنفعل عن أمر الله تعالى أصلا، وقد ترقى سبحانه فی بیان التفضیل کأنه بین أولا تفضیل قلوبهم فی القساوة على الحجارة التی تتأثر تأثرا یترتب علیه منفعة عظیمة من تفجر الأنهار، ثم على الحجارة التی تتأثر تأثرا ضعیفا یترتب علیه منفعة قلیلة من خروج الماء، ثم على الحجارة التی تتأثر من غیر منفعة فکأنه قال سبحانه: - قلوب هؤلاء أشد قسوة من الحجارة لأنها لا تتأثر بحیث یترتب علیه المنفعة العظیمة بل الحقیرة بل لا تتأثر أصلا ومما ذکر یظهر نکتة ذکر تفجر الأنهار وخروج الماء، وترک فائدة الهبوط، وذکر غیر واحد أن الآیة واردة على نهج التتمیم دون الترقی - کالرحمن الرحیم - إذ لو أرید الترقی لقیل - وإن منها لما یشقق فیخرج منه الماء وإن منها لما یتفجر منه الأنهار - وفائدته استیعاب جمیع الانفعالات التی على خلاف طبیعة هذا الجوهر، وهو أبلغ من الترقی، ویکون * (وإن منها) * الأخیر تتمیما للتتمیم، ولا یخفى أنه یرد علیه منع إفادته لاستیعاب جمیع الانفعالات وخلوه عن لطافة ما ذکرناه، و - التفجر - التفتح بسعة وکثرة کما یدل علیه جوهر الکلمة وبناء التفعل، والمراد من الأنهار الماء الکثیر الذی یجری فی الأنهار، والکلام إما على حذف المضاف، أو ذکر المحل وإرادة الحال أو الإسناد مجازی، قال بعض المحققین: وحملها على المعنى الحقیقی وهم إذ التفتح لا یمکن إسناده إلى الأنهار اللهم إلا بتضمین معنى الحصول بأن یقال: یتفجر ویحصل منه الأنهار على أن تفجیر الحجارة بحیث تصیر
|