|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۵٠
إلى أن أولئک متلبسون بها و * (من) * للتبیین، وقیل: للتبعیض وفی إیقاع الکفر صلة للموصول وبیانه بما بین وإقامة المظهر موضع المضمر إشعار بأن کتابهم یدعوهم إلى متابعة الحق إلا أن کفرهم یمنعهم وإن الکفر شر کله لأنه الذی یورث الحسد ویحمل صاحبه على أن یبغض الخیر ولا یحبه کما أن الإیمان خیر کله لأنه یحمل صاحبه على تفویض الأمور کلها إلى الله تعالى، و (لا) صلة لتأکید النفی وزیدت (له) هنا دون قوله: * (لم یکن الذین کفروا من أهل الکتاب والمشرکین) * (البنیة: 1) لما أن مبنى النفی الحسد، والیهود بهذا الداء أشهر لا سیما وقد تقدم ما یفید ابتلاءهم به فلم یلزم من نفی ودادتهم هذه نفی ودادة المشرکین لها ولم یکن ذلک فی * (لم یکن) * وسبب نزول الآیة أن المسلمین قالوا لحلفائهم من الیهود: آمنوا بمحمد صلى الله علیه وسلم فقالوا: وددنا لو کان خیرا مما نحن علیه فنتبعه فأکذبهم الله تعالى بذلک، وقیل: نزلت تکذیبا لجمع من الیهود یظهرون مودة المؤمنین ویزعمون أنهم یودون لهم الخیر وفصلت عما قبل، وإن اشترکا فی بیان قبائح الیهود مع الرسول صلى الله علیه وسلم والمؤمنین لاختلاف الغرضین فإن الأول لتأدیب المؤمنین وهذا لتکذیب أولئک الکافرین، ولأجل هذا الاختلاف فصل السابق عن سابقه، ومما ذکرنا یعلم وجه تعلق الآیة بما قبلها، والقول بأن ذلک من حیث إن القول المنهی عنه کثیرا ما کان یقع عند تنزیل الوحی المعبر عنه بالخیر فیها فکأنه أشیر إلى أن سبب تحریفهم له - إلى ما حکی عنهم لوضوعه فی أثناء حصول ما یکرهونه من تنزیل الخیر - مساق على سبیل الترجی وأظنه إلى التمنی أقرب، وقرىء * (ولا المشرکون ) * بالرفع عطفا على (الذین کفروا) * (أن ینزل علیکم) * فی موضع النصب على أنه مفعول * (یود) * وبناء الفعل للمفعول للثقة بتعیین الفاعل وللتصریح به فیما بعد، وذکر التنزیل دون الإنزال رعایة للمناسبة بما هو الواقع من تنزیل الخیرات على التعاقب وتجددها لا سیما إذا أرید * (من خیر) * فی قوله تعالى: * (من خیر) * الوحی وهو قائم مقام الفاعل، و (من) صلة وزیادة خیر، والنفی الأول منسحب علیها، ولذا ساغت زیادتها عند الجمهور ولا حاجة إلى ما قیل: إن التقدیر یود أن لا ینزل خیر، وذهب قوم إلى أنه للتبعیض وعلیه یکون علیکم قائما ذلک المقام، والمراد من الخیر إما الوحی أو القرآن أو النصرة أو ما اختص به رسول الله صلى الله علیه وسلم من المزایا أو عام فی أنواع الخیر کلها لأن المذکورین لا یودون تنزیل جمیع ذلک على المؤمنین عداوة وحسدا وخوفا من فوات الدراسة وزوال الریاسة، وأظهر الأقوال کما فی " البحر " الأخیر ولا یأباه ما سیأتی لما سیأتی. * (من ربکم) * فی موضع الصفة للخیر، و (من) ابتدائیة والتعرض لعنوان الربوبیة للاشعار بعلیة التنزیل والإضافة إلى ضمیر المخاطبین لتشریفهم * (والله یختص برحمته من یشاء) * جملة ابتدائیة سیقت لتقریر ما سبق من تنزیل الخیر والتنبیه على حکمته وإرغام الکارهین له، والمراد من الرحمة ذلک الخیر إلا أنه عبر عنه بها اعتناء به وتعظیما لشأنه؛ ومعنى اختصاص ذلک على القول الأول ظاهر ولذا اختاره من اختاره، وعلى الأخیر انفراد رسول الله صلى الله علیه وسلم والمؤمنین بمجموعه وعدم شرکة أولئک الکارهین فیه وعروهم عن ترتب آثاره، وقیل: المراد من الآیة دفع الاعتراض الذی یشیر إلیه الحسد بأن من له أن یخص لا یعترض علیه إذا عم، وفی إقامة لفظ - الله - مقام ضمیر (ربکم) تنبیه على أن تخصیص بعض الناس بالخیر دون بعض یلائم الألوهیة کما أن إنزال الخیر على العموم یناسب الربوبیة، والباء داخلة على المقصور أی یؤتی رحمته، و (من) مفعول، وقیل: الفعل لازم، و (من) فاعل وعلى التقدیرین العائد محذوف * (والله ذو الفضل العظیم) *. تذییل لما سبق
|