|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۵٣
لأن النفوس إدا داومت على شیء سهل علیها فأتى سبحانه بما ینکس رءوسهم ویکسر ناموسهم ویشیر إلى أن النسخ من جملة فضله العظیم وجوده العمیم، أو لأنه تعالى لما أشار إلى حقیة الوحی ورد کلام الکارهین له رأسا عقبه بما یبین سر النسخ الذی هو فرد من أفراد تنزیل الوحی وإبطال مقالة الطاعنین فیه فلیتدبر. * (نأت بخیر منها أو مثلهآ) * أی بشیء هو خیر للعباد منها أو مثلها حکما کان ذلک أو عدمه، وحیا متلوا أو غیره، والخیریة أعم من أن تکون فی النفع فقط أو فی الثواب فقط أو فی کلیهما، والمثلیة خاصة بالثواب على ما أشار إلیه بعض المحققین، وفصله بأن الناسخ إذا کان ناسخا للحکم سواء کان ناسخا للتلاوة أو لا بد أن یکون مشتملا على مصلحة خلا عنها الحکم السابق لما أن الأحکام إنما تنوعت للمصالح، وتبدلها منوط بتبدلها بحسب الأوقات فیکون الناسخ خیرا منه فی النفع سواء کان خیرا منه فی الثواب أو مثلا له أو لا ثواب فیه أصلا کما إذا کان الناسخ مشتملا على الإباحة أو عدم الحکم وإذا کان ناسخا للتلاوة فقط لا یتصور الخیریة فی النفع لعدم تبدل الحکم السابق والمصلحة فهو إما خیر منه فی الثواب أو مثل له، وکذا الحال فی الإنساء فإن المنسی إذا کان مشتملا على حکم یکون المأتی به خیرا فی النفع سواء کان النفع لخلوه عن الحکم مطلقا أو لخلوه عن ذلک الحکم واشتماله على حکم یتضمن مصلحة خلا عنها الحکم المنسی مع جواز خیریته فی الثواب ومماثلته أیام خلوه عنه، وإذا لم یکن مشتملا على حکم فالمأتی به بعده إما خیر فی الثواب أو مثل له، والحاصل أن المماثلة فی النفع لا تتصور لأنه على تقدیر تبدل الحکم تتبدل المصلحة فیکون خیرا منه، وعلى تقدیر عدم تبدله المصلحة الأولى باقیة على حالها انتهى. ثم لا یخفى أن ما تقدم من التعمیم مبنی على جواز النسخ بلا بدل وجواز نسخ الکتاب بالسنة - وهو المذهب المنصور - ومن الناس من منع ذلک ومنع النسخ ببدل أثقل أیضا، واحتج بظاهر الآیة، أما على الأول: فلأنه لا یتصور کون المأتی به خیرا أو مثلا إلا فی بدل، وأما على الثانی: فلأن الناسخ هو المأتی به بدلا وهو خیر أو مثل، ویکون الآتی به هو الله تعالى، والسنة لیست خیرا ولا مثل القرآن ولا مما أتى به سبحانه وتعالى، وأما على الثالث: فلأن الأثقل لیس بخیر من الأخف ولا مثلا له، ورد ذلک - أما الأول والثالث - فلأنا لا نسلم أن کون المأتی به خیرا أو مثلا لا یتصور إلا فی بدل وأن الأثقل لا یکون خیرا من الأخف إذ الأحکام إنما شرعت والآیات إنما نزلت لمصالح العباد وتکمیل نفوسهم فضلا منه تعالى ورحمة وذلک یختلف باختلاف الأعصار والأشخاص کالدواء الذی تعالج به الأدواء فإن النافع فی عصر قد یضر فی غیره والمزیل علة شخص قد یزیل علة سواه فأذن قد یکون عدم الحکم أو الأثقل أصلح فی انتظام المعاش وأنظم فی إصلاح المعاد والله تعالى لطیف حکیم، ولا یرد أن المتبادر من * (نأت بخیر منها) * بآیة خیر منها وإن عدم الحکم لیس بمأتی به لما أن الخلاف فی جواز النسخ بلا بدل لیس فی إتیان اللفظ بدل الآیة الأولى بل فی الحکم کما لا یخفى على من راجع الأصول - وأما الثانی - فلأنا لا نسلم حصر الناسخ بما ذکر إذ یجوز أن یعرف النسخ بغیر المأتی به فإن مضمون الآیة لیس إلا أن نسخ الآیة یستلزم الاتیان بما هو خیر منها أو مثل لها، ولا یلزم منه أن یکون ذلک هو الناسخ فیجوز أن یکون أمرا مغایرا یحصل بعد حصول النسخ وإذا جاز ذلک فیجوز أن یکون الناسخ سنة والمأتی به الذی هو خیر أو مثل آیة أخرى، وأیضا السنة مما أتى به الله سبحانه لقوله تعالى: * (وما ینطق عن الهوى إن هو إلا وحی یوحى) * (النجم: 3، 4) ولیس المراد بالخیریة والمماثلة فی اللفظ حتى لا تکون السنة کذلک بل فی النفع والثواب فیجوز أن یکون ما اشتملت علیه السنة خیرا فی ذلک، واحتجت المعتزلة بالآیة على حدوث القرآن فإن التغیر المستفاد
|