|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٣۸٤
إلى القول بأن إبراهیم علیه السلام هو المتفرد بالبناء ولا مدخلیة لإسمعیل فیه أصلا بناء على ما روی عن علی کرم الله تعالى وجهه أنه کان إذ ذاک طفلا صغیرا، والصحیح أن الأثر غیر صحیح، هذا وقد ذکر أهل الأخبار فی ماهیة هذا البیت وقدمه وحدوثه، ومن أی شیء کان باباه، وکم مرة حجه آدم، ومن أی شیء بناه إبراهیم، ومن ساعده على بنائه، ومن أین أتى بالحجر الأسود؟؟؟ أشیاء لم یتضمنها القرآن العظیم، ولا الحدیث الصحیح، وبعضها یناقض بعضا، وذلک على عادتهم فی نقل ما دب ودرج، ومن مشهور ذلک أن الکعبة أنزلت من السماء فی زمان آدم، ولها بابان إلى المشرق والمغرب فحج آدم من أرض الهند واستقبلته الملائکة أربعین فرسخا فطاف بالبیت ودخله ثم رفعت فی زمن طوفان نوح علیه السلام إلى السماء ثم أنزلت مرة أخرى فی زمن إبراهیم فزارها ورفع قواعدها وجعل بابیها بابا واحدا ثم تمخض أبو قبیس فانشق عن الحجر الأسود، وکان یاقوتة بیضاء من یواقیت الجنة نزل بها جبریل فخبئت فی زمان الطوفان إلى زمن إبراهیم فوضعه إبراهیم مکانه ثم اسود بملامسة النساء الحیض، وهذا الخبر وأمثاله إن صح - عند أهل الله تعالى - إشارات ورموز لمن ألقى السمع وهو شهید فنزولها فی زمن آدم علیه السلام إشارة إلى ظهور عالم المبدأ والمعاد ومعرفة عالم النور وعالم الظلمة فی زمانه دون عالم التوحید، وقصده زیارتها من أرض الهند إشارة إلى توجهه بالتکوین، والاعتدال من عالم الطبیعة الجسمانیة المظلمة إلى مقام القلب، واستقبال الملائکة إشارة إلى تعلق القوى النباتیة والحیوانیة بالبدن وظهور آثارها فیه قبل آثار القلب فی الأربعین التی تکونت فیها بنیته وتخمرت طینته أو توجهه بالسیر والسلوک من عالم النفس الظلمانی إلى مقام القلب، واستقبال الملائکة تلقى القوى النفسانیة والبدنیة إیاه بقبول الآداب والأخلاق الجمیلة، والملکات الفاضلة، والتمرن والتنقل فی المقامات قبل وصوله إلى مقام القلب، وطوافه بالبیت إشارة إلى وصوله إلى مقام القلب وسلوکه فیه مع التلوین، ودخوله إشارة إلى تمکینه واستقامته فیه، ورفعه فی زمن الطوفان إلى السماء إشارة إلى احتجاب الناس بغلبة الهوى وطوفان الجهل فی زمن نوح عن مقام القلب، وبقاؤه فی السماء إشارة إلى البیت المعمور الذی هو قلب العالم ونزوله مرة أخرى فی زمان إبراهیم إشارة إلى اهتداء الناس فی زمانه إلى مقام القلب بهدایته، ورفع إبراهیم قواعده وجعله ذا باب واحد إشارة إلى ترقی القلب إلى مقام التوحید إذ هو أول من أظهر التوحید الذاتی المشار إلیه بقوله تعالى حکایة عنه: * (وجهت وجهی للذی فطر السموات والأرض حنیفا وما أنا من المشرکین) * (الأنعام: 79) والحجر الأسود إشارة إلى الروح التی هی أمر الله عز شأنه ویمینه، وموضع سره، وتمخض أبی قبیس وانشقاقه عنه إشارة إلى ظهوره بالریاضة وتحرک آلات البدن باستعمالها فی التفکر والتعبد فی طلب ظهوره، ولهذا قیل: خبئت أی احتجبت بالبدن، واسوداده بملامسة الحیض إشارة إلى تکدره بغلبة القوى النفسانیة على القلب، واستیلائها علیه، وتسویدها الوجه النورانی الذی یلی الروح منه: ولو ترک القطا لیلا لناما * (ربنا تقبل منآ) * أی: یقولان ربنا وبه قرأ أبی والجملة حال من فاعل * (یرفع) * وقیل: معطوفة على ما قبله بجعل القول متعلقا ل * (إذ) * والتقبل مجاز عن الإثابة والرضا لأن کل عمل یقبله الله تعالى فهو یثیب صاحبه ویرضاه منه، وفی سؤال الثواب على العمل دلیل على أن ترتبه علیه لیس واجبا، وإلا لم یطلب، وفی اختیار صیغة التفعل اعتراف بالقصور لما فیه من الإشعار بالتکلف فی القبول، وإن کان التقبل والقبول بالنسبة إلیه تعالى على السواء إذ لا یمکن تعقل التکلف فی شأنه عز شأنه، ویمکن أن یکون المراد من التقبل الرضا فقط دون الإثابة لأن غایة ما یقصده المخلصون من الخدم
|