|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ٦۲
بأن أصل المبالغة مما لا یمکن هنا لأنها عبارة عن أن تثبت للشیء أکثر مما له وذلک فیما یقبل الزیادة والنقص، وصفاته تعالى منزهة عن ذلک لاستلزامه التغیر المستلزم للحدوث، وأجیب بأن المراد الأکثریة فی التعلقات والمتعلقات لا فی الصفة نفسها وهذا إذا کانت صفة ذات وإن کانت صفة فعل فلا إشکال على ما ذهب إلیه الأشاعرة من القول بحدوثها. وأما على ما ذهب إلیه ساداتنا الماتریدیة القائلون بقدوم صفة التکوین فیجاب بما أجیب به عن الأول. وأما سابعا فلأ قولهم فعلى الأول قیل یا رحمن الدنیا لأنه یعم المؤمن والکافر ورحیم الآخرة لأنه یخص المؤمن إن أرادوا به أن أبلغیة الرحمن ههنا باعتبار کثرة أفراد الرحمة فی الدنیا لوجودها فی المؤمن والکافر فلا یستقیم علیه، ورحیم الآخرة إذ النعم الأخرویة غیر متناهیة وإن خصت المؤمن، وإن أرادوا أنها باعتبار کثرة أفراد المرحومین فلا یخفى أن کثرة أفرادهم إنما تؤثر فی الأبلغیة باعتبار اقتضائها کثرة أفراد الرحمة فی الدنیا أیضا ومعلوم أن أفراد الرحمة فی الآخرة أکثر منها بکثیر بل لا نسبة للمتناهی إلى غیر المتناهی أصلا فهذا الوجه مخدوش على الحالین على أن فی اختصاص رحمة الآخرة بالمؤمنین مقالا إذ قد ورد فی الصحیح شفاعته صلى الله علیه وسلم لعامة الناس من هول الموقف: * (عسى أن یبعثک ربک مقاما محمودا) * (الإسرار: 79) وروی تخفیف العذاب عن بعض الأشقیاء فی الآخرة وکون الکفار فی الأول تبعا غیر مقصودین کیف وهم بعد الموقف یلاقون ما هو أشد منه فلیس ذلک رحمة فی حقهم والتخفیف فی الثانی على تقدیر تحققه نزول من مرتبة من مراتب الغضب إلى مرتبة دونها فلیس رحمة من کل الوجوه لیس بشیء أما أولا فلأن القصد تبعا وأصالة لا مدخل له وحبذا الولد من أین جاء، وأما ثانیا فلأن ملاقاتهم بعد لما هو أشد فلا یکون ذلک رحمة فی حقهم یستدعی أن لا رحمة من الله تعالى لکافر فی الدنیا کما قیل به لقوله تعالى: * (ولا یحسبن الذین کفروا أنما نملی لهم خیر لأنفسهم إنما نملی لهم لیزدادوا إثما ولهم عذاب مهین) * (آل عمران: 178) وقوله تعالى: (ولا تعجبک أموالهم ولا أولادهم إنما یرید الله أن یعذبهم بها) فیبطل حینئذ دعوى شمول الرحمة المؤمن والکافر فی الدنیا إذ لا فرق بین ما یکون للکافر فی الدنیا مما یتراءى أنه رحمة وما یکون له فی الآخرة فوراء کل عذاب شدید، وأما ثالثا فلأن کون التخفیف لیس برحمة من کل الوجوه لا یضر وکل أهل النار یتمنى التخفیف: * (وقال الذین فی النار لخزنة جهنم ادعوا ربکم یخفف عنا یوما من العذاب) * (غافر: 49) وحنانیک بعض الشر أهون من بعض، وأما ثامنا فلأن قولهم وعلى الثانی قیل یا رحمن الدنیا والآخرة الخ فیه بعض شیء وهو أنه یصح أن یکون بالاعتبار الأول لأن نعم الدنیا والآخرة تزید على نعم الآخرة نعم یجاب عنه بأنه یلزم حینئذ أن یکون ذکر رحیم الدنیا لغوا ولا یلزم ذلک على اعتبار الکیفیة إذ المراد یا مولیا لجسام النعم فی الدارین ولما دونها فی الدنیا. وأیضا مقصود القائل التوسل بکلا الاسمین المشتقین من الرحمة فی مقام طلبها مشیرا إلى عموم الأول وخصوص الثانی ویحصل فی ضمنه الاهتمام برحمته الدنیویة الواصلة إلیه الباعثة لمزید شکره إلا أنه یرد علیه کسابقه أن الأثر لا یعرف والمعروف المرفوع: " رحمن الدنیا والآخرة ورحیمهما " وکفایة کونه من کلام السلف لیس بشیء کما لا یخفى، وأما تاسعا فلأن السؤال عن تقدیم الرحمن معترض بمقبول ومردود، وذکر ابن هشام أنه غیر متجه لأن هذا خارج عن کلام العرب إذ لم یستعمل صفة ولامجردا من أل فهو بدل لا نعت والرحیم نعت له لا نعت لاسم الله سبحانه إذ لا یتقدم البدل على النعت ومما یوضح لک أن الرحمن غیر صفة مجیئه کثیرا غیر تابع نحو: * (الرحمن على العرش استوى) * (طه: 5) * (الرحمن * علم القرآن) * (الرحمن: 1، 2) * (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) * (الإسرار: 110) * (وإذا قیل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) * (الفرقان: 60) وقال ابن خروف هو صفة غالبة ولم یقع تابعا إلا لله تعالى
|