تحمیل PDF هویة الکتاب
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا    المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى    الجزء: ۱    الصفحة: ۸٠   

الأمور الوجودیة التی هی علله وشرائطه وإن کانت متناهیة لوجوب تناهی ما دخل تحت الوجود لکن الأمور العدمیة التی لها دخل فی وجوده وهی المعبر عنها بارتفاع الموانع لیست کذلک إذ لا استحالة فی أن یکون لشیء واحد موانع غیر متناهیة یتوقف وجوده أو بقاؤه على ارتفاعها أی بقائها على العدم مع إمکان وجودها فی أنفسها، فإبقاء تلک الموانع التی لا تتناهى على العدم تربیة لذلک الشیء من وجوه غیر متناهیة، وبالجملة آثار تربیته تعالى واضحة المنار ساطعة الأنوار فسبحانه من رب لا یضاهی ومنان لا یحصی کرمه ولا یتناهى ونحن فی تیار بحر جوده سابحون وعن إقامة مراسم شکره قاصرون، وما أحسن قول بعض العارفین أنه تعالى یملک عبادا غیرک وأنت لیس لک رب سواه ثم إنک تتساهل فی خدمته والقیام فی وظائف طاعته کأن لک ربا بل أربابا غیره وهو سبحانه یعتنی بترتبیک حتى کأنه لا عبد له سواک فسبحانه ما أتم تربیته وأعظم رحمته، وإنما کان الجمع بالواو والنون مع أنه فی المشهور جمع قلة والظاهر مستدع لجمع الکثرة تنبیها على أن العوالم وإن کثرت قلیلة بل أقل من القلیل فی جنب عظمة الله تعالى وکبریائه: * (وما قدروا الله حق قدره والأرض جمیعا قبضته یوم القیامة والسموات مطویات بیمینه) * (الزمر: 67) على أن جمع القلة کثیرا ما یوصله المقام إلى جمع الکثرة على أن بعض المحققین المحقین من أرباب العربیة ذهب إلى أن الجمع المذکر السالم صالح للقلة والکثرة فاختر لنفسک ما یحلو. وقد أشار سبحانه وتعالى بقوله: * (رب العالمین) * إلى حضرة الربوبیة التی هی مقام العارفین وهی اسم للمرتبة المقتضیة للأسماء التی تطلب الموجودات فدخل تحتها العلیم والسمیع والبصیر والقیوم والمرید والملک وما أشبه ذلک لأن کل واحد من هذه الأسماء والصفات یطلب ما یقع علیه فالعلیم یقتضی معلوما والقادر مقدورا والمرید مرادا إلى غیر ذلک والأسماء التی تحت اسم الرب هی الأسماء المشترکة بین الحق والخلق والأسماء المختصة بالخلق اختصاصا تأثیریا فمن القسم الأول: العلیم مثلا فإن له وجهین وجه یختص بالجناب الإلهی ومنه یقال: یعلم نفسه ووجه ینظر إلى المخلوقات ومنه یقال: یعلم غیره ومن القسم الثانی: الخالق ونحوه من الأسماء الفعلیة فله وجه واحد ومنه یقال: خالق للموجودات ولا یقال: خالق لنفسه، تعالى عن ذلک وهذا القسم من الأسماء تحت اسمه الملک ومنه یظهر الفرق بینه وبین الرب، وأما الفرق بین الرب والرحمن فهو أن الرحمن عندهم اسم لمرتبة اختصت بجمیع الأوصاف العلیة الإلهیة سواء انفردت الذات به کالعظیم والفرد أو حصل الاشتراک أو الاختصاص بالخلق کالقسمین المتقدمین فهو أکثر شمولا من الرب ومن مرتبة الربوبیة ینظر الرحمن إلى الموجودات وأما اسمه تعالى الله: فهو اسم لمرتبة ذاتیة جامعة وفلک محیط بالحقائق وهو مشیر إلى الألوهیة التی هی أعلى المراتب وهی التی تعطی کل ذی حق حقه وتحتها الأحدیة وتحتها الواحدیة وتحتها الرحمانیة وتحتها الربوبیة وتحتها الملکیة ولهذا کان اسمه الله أعلى الأسماء وأعلى من اسمه الأحد فالأحدیة أخص مظاهر الذات لنفسها والألوهیة أفضل مظاهر الذات لنفسها أو لغیرها ومن ثم منع أهل الله تعالى تجلی الأحدیة ولم یمنعوا تجلی الألوهیة لأن الأحدیة ذات محض لا ظهور لصفة فیها فضلا عن أن یظهر فیها مخلوق فما هی إلا للقدیم القائم بذاته. ومما قررنا یعلم سر کثرة افتتاح العبد دعاءه بیا رب یا رب مع أنه تعالى ما عین هذا الاسم الکریم فی الدعاء ونفى ما سواه بل قال سبحانه: * (قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن) * (الإسراء: 110) وقال: * (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) * (الأعراف: 180) وقال أرباب الظاهر: الداعی لا یطلب إلا ما یظنه صلاحا لحاله وتربیة لنفسه فناسب أن یدعوه بهذا الاسم ونداء المربی فی الشاهد بوصف التربیة أقرب لدر ثدی الإجابة وأقوى لتحریک عرق الرحمة، وعند ساداتنا الصوفیة قدس الله تعالى أسرارهم یختلف الکلام باختلاف المقام فرقا وجمعا وعندی وهو قبس من أنوارهم أن الأرواح أول ما شنفت آذانها وعطرت


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب