|
اسم الکتاب: روح المعانی فی تفسیر القرآن العظیم و السبع المثانی - المجلد ا
المؤلف: محمود بن عبدالله آلوسى
الجزء: ۱
الصفحة: ۹٦
وحدیث " سبقت رحمتی غضبی " محمول على الزیادة فی الآثار أو تقدم ظهورها. وأصل الضلال الهلاک ومنه قوله تعالى: * (أئذا ضللنا فی الأرض) * (السجده: 10) أی هلکنا وقوله تعالى: * (وأضل أعمالهم) * (محمد: 8) أی أهلکها والضلال فی الدین الذهاب عن الحق، وقرأ أبو أیوب السختیانی * (ولا الضألین) * بإبدال الألف همزة فرارا من التقاء الساکنین مع أنه فی مثله جائز. وحکى أبو زید دأبة وشأبة وعلى هذه اللغة قراءة عمرو بن عبید: * (فیومئذ لا یسئل عن ذنبه إنس ولا جأن) * (الرحمن: 39) قوله: والأرض أما سودها فتجللت * بیاضا وأما بیضها فادهامت وهل یقاس علیه أم لا؟ قولان وروی عن عمر بن الخطاب رضی الله تعالى عنه وعبد الله بن الزبیر أنهما کانا یقرآن (وغیر الضالین) والمتواتر لا کما فی الإمام وهو سیف خطیب أتى بها لتأکید ما فی * (غیر) * من معنى النفی والکوفیون یجعلونها هنا بمعناها والمراد بالمغضوب علیهم الیهود وبالضالین النصارى وقد روى ذلک أحمد فی " مسنده " وحسنه ابن حبان فی " صحیحه " مرفوعا إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم. وأخرجه ابن جریر عن ابن عباس وابن مسعود رضی الله تعالى عنهم، وقال ابن أبی حاتم: لا أعلم فیه خلافا للمفسرین فمن زعم أن الحمل على ذلک ضعیف لأن منکری الصانع والمشرکین أخبث دینا من الیهود والنصارى فکان الاحتراز منهم أولى بل الأولى أن یحمل المغضوب علیهم على کل من أخطأ فی الأعمال الظاهرة وهم الفساق ویحمل الضالون على کل من أخطأ فی الاعتقاد لأن اللفظ عام والتقیید خلاف الأصل فقد ضل ضلالا بعیدا إن کان قد بلغه ما صح عن رسول الله صلى الله علیه وسلم وإلا فقد تجاسر على تفسیر کتاب الله تعالى مع الجهل بأحادیث رسول الله صلى الله علیه وسلم وما قاله فی منکری الصانع لا یعتد به لأن من لا دین له لا یعتد بذکره، والعجب من الإمام الرازی أنه نقل هذا ولم یتعقبه بشیء سوى أنه زاد فی الشطرنج بغلا فقال ویحتمل أن یقال المغضوب علیهم هم الکفار والضالون هم المنافقون وعلله بما فی أول البقرة من ذکر المؤمنین ثم الکفار ثم المنافقین فقاس ما هنا على ما هناک وهل بعد قول رسول الله صلى الله علیه وسلم الصادق الأمین قول لقائل أو قیاس لقائس هیهات هیات دون ذلک أهوال، واستدل بعضهم على أن المغضوب علیهم هم الیهود بقوله تعالى: * (من لعنه الله وغضب علیه وجعل منهم القردة والخنازیر) * (المائدة: 60) وعلى أن الضالین النصارى بقوله تعالى: * (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا) * (المائدة: 77) والأولى الاستدلال بالحدیث لأن الغضب والضلال وردا جمیعا فی القرآن لجمیع الکفار على العموم فقد قال تعالى: * (ولکن من شرح بالکفر صدرا فعلیهم غضب من الله) * (النحل: 106) وقال تعالى: * (إن الذین کفروا وصدوا عن سبیل الله قد ضلوا ضلالا بعیدا) * (النساء: 167) ووردا للیهود والنصارى جمیعا على الخصوص کما ذکره المستدل وإنما قدم سبحانه المغضوب علیهم على الضالین - مع أن الضلال فی بادىء النظر سبب للغضب إذ یقال ضل فغضب علیه - لتقدم زمان المغضوب علیهم وهم الیهود على زمان الضالین وهم النصارى أو لأن الإنعام یقابل بالانتقام ولا یقابل بالضلال فبینهما تقابل معنوی بناء على أن الأول إیصال الخیر إلى المنعم علیه والثانی إیصال الشر إلى المغضوب علیه أو لأن الیهود أشد فی الکفر والعناد وأعظم فی الخبث والفساد وأشد عداوة للذین آمنوا ولدا ضربت علیهم الذلة والمسکنة. وورد فی الحدیث: " من لم یکن عنده صدقة فلیلعن الیهود " رواه السلفی والدیلمی وابن عدی، والنصارى دون ذلک وأقرب للإسلام منهم ولذا وصفوا بالضلال لأن الضال قد یهتدی، ومما یدل على أن الیهود أسوأ حالا من النصارى أنهم کفروا بنبیین محمد صلى الله علیه وسلم وعیسى علیه السلام والنصارى کفروا بنبی واحد وهو نبینا صلى الله علیه وسلم وفضائحهم وفظائعهم أکثر مما عند النصارى کما ستقرؤه وتراه إن شاء الله تعالى، وقول النصارى
|