|
اسم الکتاب: المعجم في فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته - المجلد ۱
المؤلف: قسم القرآن بمجمع البحوث الاسلامیة
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۹۸
الأصول اللّغویّة
1- الظّاهر رجوع «أثل» إلى «أصل» لفظا و معنى، فیهما من قبیل صراط و سراط، و لهذا أطلق الأثل على شجر ثابت الأصل ذو خشب صلب. و کلّ مشتقّاته و معانیه یرجع إلى هذا الأصل، کما قال ابن فارس: «یدلّ على أصل الشّیء و تجمّعه» إلّا أنّه قد یطلق على ثمره مجازا، و هذا شائع فی الأشجار.
و قد تقدّم فی النّصوص أنّ شجر الأصل لا یکون علیه ثمرة، إلّا فی بعض الأوقات یکون علیه شیء کالعفص أو أصغر منه فی طعمه و طبعه. و فی لسان العرب (7: 55): «طعام عفص: بشع، و فیه عفوصة و مرارة و تقبّض یعسر ابتلاعه ...» و هذا ما سنختاره فی معنى الأثل فی الآیة الکریمة.
الاستعمال القرآنیّ
و فیه بحوث:
1- جاءت کلمة (أثل) بعد کلمة (خمط) و قبل (سدر قلیل) فی قوله: وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَیْهِمْ جَنَّتَیْنِ ذَواتَیْ أُکُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَیْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِیلٍ سبأ: 16، و لا یوقف على معناها إلّا ضمن تفسیر الآیة بکاملها.
2- و الآیة تصف حال قوم سبأ، و ما أوقع اللّه بهم بسبب سیل العرم بعد إعراضهم عن الحقّ، من تبدیل جنّتیهم ذات الثّمار الوافرة و الفواکه و الخیرات الکثیرة، بما یشبه الجنّتین ذات ثمار مرّة حامضة بشعة و شیء من سدر قلیل. فحینما کانت الجنّتان قبل السّیل آیة فی الجمال و النّماء لَقَدْ کانَ لِسَبَإٍ فِی مَسْکَنِهِمْ آیَةٌ جَنَّتانِ سبأ:
15، ممتدّتان فی جانبی الوادی إلى ما شاء اللّه بَلْدَةٌ طَیِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ سبأ: 15، فکانوا لکثرة الإنتاج شعبا ثریّا قویّا راقیا، کما تشهد به الآثار المکتشفة فی مساکنهم.
إذ تبدّلت الجنّتان بعد السّیل إلى صحراء قاحلة لا تنبت سوى الأشجار الصّحراویّة ذوات أکل لا تؤکل. کما أنّ القوم أنفسهم صاروا أحادیث لا أثر لهم فی التّاریخ، حتّى ضرب بهم المثل «تفرّق القوم أیادی سبأ» لتفرّقهم فی الأرض یمینا و شمالا، لاحظ «سبأ».
3- فالتّعبیر عن تلک الصّحراء القفر بالجنّتین- کما جاء فی التّفاسیر- إمّاتهکّم أو من باب المشاکلة و الازدواج، مثل: وَ مَکَرُوا وَ مَکَرَ اللَّهُ آل عمران:
54، و فَمَنِ اعْتَدى عَلَیْکُمْ فَاعْتَدُوا عَلَیْهِ البقرة:
194؛ إذ لم یبق هناک ما یسمّى جنّة حقیقة، و الدّلیل علیه أنّه تعالى عبّر عن ثمراتها بما لا ینبت إلّا نبتة طبیعیّة فی الصّحاری القاحلة مثل شجر الأراک.
4- و من هذا المنطلق لا بدّ من تفسیر کلمات: خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَیْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِیلٍ. فالمفسّرون- إلّا النّادر منهم- جعلوها أشجارا، فقالوا: الخمط: الأراک أو کلّ شجر مرّ له شوک، أو الغضا و نحوهما. و الأثل: الطّرفاء أو شبیه منه، أو ضرب من الخشب أو الثّمر أو الآجام.
و السّدر: الشّجر المعروف، و وصفوها بما فیه منافع و نعمة.
و هذه معان توافق اللّغة إلّا أنّها لا تناسب سیاق الآیة، فإنّ الظّاهر أنّ الألفاظ الثّلاثة فی الآیة وصف للأکل أو بیان لها فینبغی أن ننتقل عن تلک الأشجار إلى ما یناسبها.
|