|
اسم الکتاب: التقیة فی الاسلام
المؤلف: عبدالله نظام
الجزء: ۱
الصفحة: ۸٤
لیظهر من خلالها أنّ التقیّة صارت ضرورة حیاتیّة لکلّ مَنْ أراد النجاة.
إن نظرةً فاحصةً على تاریخ القرن الأول الهجری, تبیِّن أن مصیر الأمة الإسلامیة قد انتقل - بعد فترة وجیزة من وفاة الرسول ({صلی الله علیه و آله}) - إلى ید عصبة من الشخصیات القلقة عقائدیاً, والمترابطة سعیاً لاستعادة مجدها التلید, المفقود بانتصار الدعوة الإسلامیة، کما تبیّن أن ذلک لم یتمّ اعتباطاً دون تخطیط سابق ومشترک, حیث تبیّن حوادث تلک الأیام, بما فیها من مواقف وأقوال, أن کلهم کان یعرف ما یریده کلهم, فإن تولیفة تضم معاویة بن أبی سفیان، وعمرو بن العاص، ومروان بن الحکم، وسمرة بن جندب، والمغیرة بن شعبة، والولید بن عقبة بن أبی معیط، وزیاد بن أبیه، إلى جانب مجموعة من الأعراب, یتقاسم أفرادها فیما بینهم الملک والوزارة والولایة، تکفی فی تفسیر کل ما حصل إبان العصر الأموی، وکیف انزوى البعد الرسالی للإسلام, وابتعد عن قیادة الحیاة بفعل الملک العضود.
لقد وُضعت السیاسات على أساس طبیعة وبنود التحالفات القائمة فی ذلک الزمان؛ لتوطید أرکان الحکم الأموی, ودعمه وترسیخه, واعتبر معاویة أن الغایة تبرر الوسیلة, فمصر طعمة لـعمرو بن العاص:. روى البلاذری أن عمرو بن العاص قدم على معاویة فذاکره أمره، فقال: أما علی فلا تسوی العرب بینک وبینه فی شیء من الأشیاء، وإن له فی الحرب لحظا ما هو لأحد من قریش . قال صدقت، وإنما نقاتله على ما فی أیدینا ونلزمه دم عثمان . فقال عمرو: وإن أحق الناس أن لا یذکر عثمان لأنا وأنت، أما أنا فترکته عیانا وهربت إلى فلسطین، وأما أنت فخذلته ومعک أهل الشام حتى استغاث بیزید بن أسد البجلی فسار إلیه، فقال معاویة: دع ذا وهات فبایعنی . قال: لا لعمرو الله لا أعطیک دینی حتى آخذ من دنیاک, فقال معاویة: سل, قال: مصر تطعمنی إیاها, فغضب مروان بن الحکم وقال: ما لی لا استشار, فقال معاویة: اسکت فما یستشار إلا لک, فقام عمرو مغضباً, فقال له معاویة: یا أبا عبد الله, أقسمت علیک أن تبیت اللیلة عندنا, وکرِه أن یخرج فیفسد علیه الناس، فبات [عمرو] عنده وقال:
معاویَ لا أعطیک دینی ولم أنل
فإن تعطنی مصرا فأربح صفقة
به منک دنیا فانظرنْ کیف تصنعُ
أخذت بها شیخاً یضرّ وینفعُ
فلما أصبح معاویة دخل علیه عتبة بن أبی سفیان فقال له: یا معاویة ما تصنع ؟, أما ترضى أن تشتری من عمرو دینه بمصر, فأعطاه إیاها وکتب له کتاباً: أن لا ینقض شرط طاعة, فمحا عمرو ذلک وقال: اکتب: لا ینقض طاعة شرطاً, فقال له عتبة بن أبی سفیان:
أیها المانع سیفاً لم یُهَزْ
إنما أنت خروف واقفٌ
أعطِ عَمراً إن عمراً باذلٌ
إنما مِلتَ إلى خَزٍّ وقزْ
بین ضَرْعَین وصوف لم یجزْ
دینه الیوم لدنیا لم تُحَزْ
[انساب الأشراف (مصدر سابق): ج2, کتاب علی رضی الله عنه إلى معاویة بن أبی سفیان, ص200].وروى الطبرانی: عن یعلى بن شداد, عن أبیه أنه دخل على معاویة رضی الله عنه وهو جالس وعمرو بن العاص على فراشه, فجلس شداد بینهما وقال: هل تدریان ما یجلسنی بینکما, إنی سمعت رسول الله صلى الله علیه وسلم یقول: إذا رأیتموهما جمیعاً ففرقوا بینهما, فوالله ما اجتمعا إلا على غدرة, فأحببت أن أفرّق بینکما. [المعجم الکبیر (مصدر سابق): ج7, ص289]..
|