تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست
«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
اسم الکتاب: إحياء علوم الدين - المجلد ۱    المؤلف: ابو حامد الغزالی    الجزء: ۱    الصفحة: ٦٠   

فکان السجع المحذور المتکلف ما زاد على کلمتین،و لذلک لما قال الرجل فی دیة الجنین:کیف ندى من لا شرب و لا أکل،و لا صاح و لا استهل،و مثل ذلک یطل؟

فقال النبی صلى اللّٰه علیه و سلم[1] «أسجع کسجع الأعراب!» و أما الأشعار فتکثیرها فی المواعظ مذموم ،قال اللّٰه تعالى: (وَ الشُّعَرٰاءُ یَتَّبِعُهُمُ الْغٰاوُونَ.

أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِی کُلِّ وٰادٍ یَهِیمُونَ) و قال تعالى: (وَ مٰا عَلَّمْنٰاهُ الشِّعْرَ وَ مٰا یَنْبَغِی لَهُ) و أکثر ما اعتاده الوعاظ من الأشعار ما یتعلق بالتواصف بالعشق و جمال المعشوق،و روح الوصال و ألم الفراق،و المجلس لا یحوى إلا أجلاف العوام،و بواطنهم مشحونة بالشهوات،و قلوبهم غیر منفکة عن الالتفات إلى الصور الملیحة،فلا تحرک الأشعار من قلوبهم إلا ما هو مستکن فیها، فتشتعل فیها نیران الشهوات،فیزعقون و یتواجدون،و أکثر ذلک أو کله یرجع إلى نوع فساد ،فلا ینبغی أن یستعمل من الشعر إلا ما فیه موعظة أو حکمة على سبیل استشهاد و استئناس.

و قد قال صلّى اللّٰه علیه و سلم:[2] «إنّ من الشّعر لحکمة» و لو حوى المجلس الخواص الذین وقع الاطلاع على استغراق قلوبهم بحب اللّٰه تعالى و لم یکن معهم غیرهم،فان أولئک لا یضر معهم الشعر الذی یشیر ظاهره إلى الخلق،فان المستمع ینزل کل ما یسمعه على ما یستولى على قلبه کما سیأتی تحقیق ذلک فی کتاب السماع،و لذلک کان الجنید رحمه اللّٰه یتکلم على بضعة عشر رجلا، فان کثروا لم یتکلم،و ما تم أهل مجلسه قط عشرین.و حضر جماعة باب دار ابن سالم فقیل له:

تکلم فقد حضر أصحابک،فقال:لا ما هؤلاء أصحابی إنما هم أصحاب المجلس إن أصحابی هم الخواص.

و أما الشطح فنعنی به صنفین من الکلام أحدثه بعض الصوفیة:

أحدهما-الدعاوی الطویلة العریضة فی العشق

مع اللّٰه تعالى،و الوصال المغنی عن الأعمال الظاهرة،حتى ینتهى قوم إلى دعوى الاتحاد و ارتفاع الحجاب،و المشاهدة بالرؤیة و المشافهة بالخطاب ،فیقولون:قیل لنا کذا و قلنا کذا،و یتشبهون فیه بالحسین بن منصور الحلاج الذی صلب لأجل إطلاقه کلمات من هذا الجنس،و یستشهدون بقوله:أنا الحق .و بما حکى عن أبی


«« الصفحة الأولی    « الصفحة السابقة    الجزء:    الصفحة التالیة »    الصفحة الأخیرة»»
 تحمیل PDF هویة الکتاب الفهرست