|
اسم الکتاب: المعجم في فقه لغة القرآن و سرّ بلاغته - المجلد ۱
المؤلف: قسم القرآن بمجمع البحوث الاسلامیة
الجزء: ۱
الصفحة: ۲۸۸
الْأَرْضِ المؤمن: 82
و ثالثا- أنّ الآثار فی «1» جمع أضیف إلى التّثنیة و أرید به واحد، و هذا هو الفصیح، و قریب منه فَاغْسِلُوا وُجُوهَکُمْ وَ أَیْدِیَکُمْ إِلَى الْمَرافِقِ المائدة:
6، حیث جاء (وجوه) و (ایدی) و (مرافق) جمعا، و لکلّ إنسان وجه واحد و یدان و مرفقان.
و رابعا- أنّ (آثار) فی «1- 5» قد یفسّر- کما تقدّم فی النّصوص- بمعنى بعد أو المنهاج و السّیرة. و الأصل فی الجمیع هو الأثر الباقی، و المعنى الزّائد علیه هو مقتضى السّیاق و التّرکیب. و أمّا بقیّة الآیات فهی بمعنى الأثر الباقی من دون أن یعطی السّیاق معنى بعد و نحوه.
و خامسا- أنّ صیغة المفرد فی القرآن (اثر الرّسول)، (اثر السّجود)، (اثری) یتوضّح فیها البعد المادّیّ، أی الأثر المحسوس فی الأرض أو فی الجبهة. و أمّا صیغة الجمع فتتّصل أحیانا بالبعد المادّیّ مثل: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما، و تتّصل أحیانا بالبعد المعنویّ- و هو الأکثر فی القرآن- فی مثل: وَ قَفَّیْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِیسَى ابْنِ مَرْیَمَ، أی إنّه تعالى أتبع الأنبیاء السّابقین بعیسى على نفس نهجهم و الأفکار الّتی دعوا إلیها، و مثله: وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ، أی نتّبع منهاجهم و نسیر بسیرتهم.
أمّا قوله: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ و أَشَدَّ قُوَّةً وَ آثاراً فِی الْأَرْضِ فیبدو أنّه ألصق بالبعد المادّیّ، من حیث الدّلالة على ما صنعوه و شیّدوه، و هی نتائج ملموسة لفعلهم فیما یمکن أن یرى و یجسّد، و لک أن تعمّها للمادّیّ و المعنویّ.
و سادسا- أنّ (آثارهم) و هی سبعة- کلّها تشیر إلى البعد المعنویّ، و ما سواها من المفرد و الجمع- و هی سبعة أیضا- تشیر إلى البعد المادّیّ، فلاحظ.
و سابعا- أنّ (أثر) مفردا و جمعا ورد «14» مرّة، و غیره فعلا و اسما «اثارة» جاء «7» مرّات، و المجموع «21» مرّة، و معنى هذا أنّ (أثر) یشکّل ثلثی الجذر کلّه، و ضعفی عدد مرّات ورود ألفاظ المحورین الآخرین.
و یشیر هذا إلى أهمّیّة الدّلالة الأولى للّفظ، و کونها الأساس الّذی تبتنى علیه دلالات المحورین الآخرین، فکأنّه الرّابطة الّتی تربط هذه الاستعمالات و تشدّ أواصر بعضها إلى البعض الآخر، فیتضاعف عددها اللّفظیّ کما تضاعف تأثیرها المعنویّ.
و ثامنا- من دقیق اللّطائف القرآنیّة أنّ لفظة (آثار) مجرّدة عن الضّمیر، وردت مرّة واحدة و بمعنى المفرد؛ حیث أنّ ما بعدها دالّ على الإفراد:
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ کَیْفَ یُحْیِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الرّوم: 50
فالإحیاء أثر واحد لا آثار کثیرة، و هو المناسب لما یقال فی الفلسفة: الواحد لا یصدر منه إلّا الواحد، فاللّه واحد و أثره واحد ثمّ تکثّر. و لک أن تقول: الصّادر منه هو رحمة اللّه- و هو «الوجود المنبسط» فی قولهم- و المتکثّرات هی آثار رحمته، و الإحیاء تفسیر لتلک الرّحمة الواحدة، و هی إعطاء الوجود الّذی هو حقیقة الحیاة، و لیس تفسیرا للآثار. و علیه فهی بمعنى الجمع دون المفرد، و هذا بیان لنظریّة: «الوحدة فی الکثرة و الکثرة فی الوحدة».
|