|
اسم الکتاب: التقیة فی الاسلام
المؤلف: عبدالله نظام
الجزء: ۱
الصفحة: ٦
التقیّة الکونیّة وهو ما یرتقی بالتقیّة عن الحاجة إلى دلیل على المشروعیّة, لتصبح مخالفتها هی التی تحتاج إلى دلیل, کما أنّ ما قاموا به هو سیرة عقلائیّة قائمة فی البشر, یحفظون بها سلامتهم ومروءتهم, ویصونون بها أموالهم وأعراضهم, وهذا ما یفسّر لجوء منکریها لفظاً إلى التستّر بفقه الإکراه والالتزام بها عملاً, لکون العلاقة بینهما علاقة السبب بالمسبب, وهو ما سیأتی بیانه عند الحدیث عن أدلّتها وفقه مسائلها.
ومما لا ینبغی إغفاله عند الحدیث عن التقیّة هو أنها تمنح الإنسان فرصةً للنجاة بنفسه والحفاظ على عِرضه وماله, ولکنها تحرمه من حریته, وتحدّ من إمکانیّاته, وتطبع حیاته بالمحدودیّة والانزواء, وعدم الوثوق بالآخرین, وتقتل فی نفوس أتباعها براعم الأمل والطموح بما تولّده فی نفوسهم من الاستکانة إلى الواقع, والتطبیع مع الأقویاء فیه, کلّ ذلک لیحصل أصحابها على الأمان المنشود, ولا شکّ فی أنّ ذلک کلّه مما یُلحق الأذى بحیاة الأمم والشعوب, ویفتک بأنحاء حیاتهم الثقافیّة والاقتصادیّة والاجتماعیّة والعلمیّة والسیاسیّة, ویبعدهم عن الرشد والنموّ, فإنه لا حضارة ولا علوم ولا اقتصاد ولا ثقافة إلا مع الحریّة.
إن مسیرة آلام الفِتن والعصبیات تدفعنا إلى البحث عن مخارج أمان من الفوضى التی نحن فیها, من خلال مراجعة هادئة لبعض ما نتخیّله من الدِّین وهو لیس منه, مما ظاهره إکراه الآخرین على ما نعتقد, وحملهم على رؤیة ما نرى, وإلاّ فسیف التکفیر مسلّط على رقابهم, واستباحة الأموال والأعراض واقفة ببابهم !, وهذا لا یتحقق إلاّ بالرجوع إلى الکتاب والسُنّة, وتقدیمهما على أقوال الناس, فالإلهیّ أحقّ أن یُقدَّم ولا ریب, ولکن لا کما یفهمه الأجلاف والجاهلون, وإنما من خلال بحثٍ موضوعیّ فی نقاط أساسیّة: ما الإسلام, ومن هو المسلم ؟, ما هو حقّ المسلم على المسلم ؟, ما واجب
|