|
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ محسن الأراکي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٣٣
والمحسوسات، لا تتم الحواس إلّا بها، کمثل الضياء والهواء، فإنّه لو لم يکن ضياء يظهر اللون للبصر، لم يکن البصر يدرک اللون، ولو لم يکن هواء يؤدي الصوت إلى السمع، لم يکن السمع يدرک الصوت، فهل يخفى عليه من صحّ نظره وأعمل فکره أنّ مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقى بعضاً، وتهيئة أشياء أخر بها تتم الحواس، لا يکون إلّا بعمل وتقدير من لطيف خبير؟!
فکّر يا مفضّل فيمن عدم البصر من الناس، وما يناله من الخلل في أموره، فإنّه لايعرف موضع قدميه، ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرّق بين الألوان، وبين المنظر الحسن والقبيح، ولا يرى حفرةً إن هجم عليها، ولا عدواً إن أهوى إليه بسيف، ولا يکون له سبيل إلى أن يعمل شيئاً من هذه الصناعات مثل الکتابة والتجارة والصياغة، حتى إنّه لولا نفاذ ذهنه لکان بمنزلة الحجر الملقی. وکذلک من عدم السمع، يختل في أمور کثيرة، فإنّه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذّة الأصوات واللحون المشجية والمطربة، وتعظم المؤونة على الناس في محاورته، حتى يتبرّموا به، ولا يسمع شيئاً من أخبار الناس وأحاديثهم، حتى يکون کالغائب وهو شاهد، أو کالميت وهو حي.
فأمّا من عدم العقل، فإنّه يلحق بمنزلة البهائم، بل يجهل کثيراً مما تهتدي إليه البهائم، أفلا ترى کيف صارت الجوارح والعقل، وسائر الخلال (1) التي بها صلاح الإنسان، والتي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله في ذلک من الخلل، يوافي (2) خلقه على التمام حتى لا يفقد شيئاً منها، فلم کان کذلک؟ أنّه خُلق بعلم وتقدير».
١. الخلال: جمع خلة، وهي الخصلة.
۲. يوافي خبر إلى «صارت» المتقدمة.
|