|
اسم الکتاب: السنة النبویة فی مصادر المذاهب الإسلامیة - المجلد ۱
المؤلف: الشیخ محسن الأراکي
الجزء: ۱
الصفحة: ۱٣٦
ثم همي (1) بعد ذلک الباب المطبق على الفم يفتحها الإنسان إذا شاء ويطبقها إذا شاء. وفيما وصفنا من هذا بيان، أنّ کل واحد من هذه الأعضاء يتصرّف، وينقسم إلى وجوه من المنافع کما تتصرف الأداة الواحدة في أعمال شتّى، وکالفأس تستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من الأعمال...
[قوى النفس وموقعها من الإنسان]
تأمل يا مفضّل هذه القوى في النفس، وموقعها من الإنسان، أعني: الفکر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلک، أفرأيت لو نقص الإنسان من هذه الخلال (2) الحفظ وحده، کيف کانت تکون حاله، وکم من خلل کان يدخل عليه في أموره ومعاشه و تجاربه، إذا لم يحفظ ما له وما عليه، وما أخذه وما أعطى، وما رأى وما سمع، وما قال وما قيل له، ولم يذکر من أحسن إليه ممّن أساء به، وما نفعه ممّا ضرّه، ثم کان لا يهتدي لطريق لو سلکه ما لا يحصى، ولا يحفظ علماً ولو درسه عمره ولا يعتقد ديناً، ولا ينتفع بتجربة ولا يستطيع أن يعتبر شيئاً على ما مضى، بل کان حقيقاً أن ينسلخ من الإنسانية.
فانظر إلى النعمة على الإنسان في هذه الخلال، وکيف موقع الواحدة منها دون الجميع، وأعظم من النعمة على الإنسان، في الحفظ النعمة في النسيان، فإنه لولا النسيان لما سلا (۳) أحد عن مصيبة، ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشيء من متاع الدنيا مع تذکر الآفات، ولا رجاء غفلة من سلطان، ولا فترة من حاسد. أفلا ترى کيف جعل في الإنسان الحفظ والنسيان وهما مختلفان متضادان، وجعل له في کلّ منهما ضرباً من المصلحة؟ وما عسى أن يقول الذين قسّموا الأشياء بين خالقين متضادين في هذه الأشياء المتضادة المتباينة، وقد تراها تجتمع على ما فيه الصلاح والمنفعة؟!
1. همي الماء: سال لا يثنيه شيء.
٢. الخلال: جمع خلّة بالفتح - وهي الخصلة والصفة.
٣. سلا الشيء وسلا عنه: نسيه وهجره، وطابت نفسه عنه، وذهل عن ذکره.
|